أعراف
- التفاصيل
- الزيارات: 2407
تعجبني التجارب التي تراكم على المنجز ولا تلغيه، ثم تشقّ طريقها محصنةً بالمعرفة والوعي، راسمة هدفها بوضوح، ممتطية جواد طموحها الأصيل. هذه الأصوات قابلة للتحقق، وقابلة للتعلم، وقابلة للنجاح.. لأنها بكل بساطة لا تريد أنْ تمحوَ كل ما قبلها، ومن قبلها بنزق وفوضى غير خلاقة، لتجدَ نفسها وحيدةً، تحفر اسمها في الهباء، وتغني بنشاز على الأطلال: أطلالها، كما باتت عليه سنة كثير من المتعلقين بوهم الكتابة، بل هي تريد أن يكون لها صوتها المتفرد، وهذا مطلبٌ جليلٌ، لأنه يعني الإضافة بكل تأكيد. وكثيرةٌ هي التجارب التي ماتت وهي لم تزهر ولم تثمر، لأنها لا تريد أن تتعلم، ناهيك عن أنْ تَسمع، لذلك هي بالضرورة لا تُسمع، بل هي بلا صوت ولا صورة، لأنها ركبت غرورها قبل أن تبحر في مركب الكتابة، ولأنها استجابت لمن يمدها في الغَي، ويصور لها ما ليس فيها، وليس منها، فنجدها لا تبرح مكانها، لأنها تكرر نفس أخطائها، حتى اللغوية منها، وهي لا تعرف تحديداً ماهية ما تنتج، ولا تعرف يا للألم وجهتها، فالمهم لديها أن تكتب، وأن يشار إليها، ليس بالبنان فحسب، بل أن تُمجّد بالنيون، وأن تُمتدَح بما ليس فيها، فهي في تصورها المحزن تظنّ أنها قد ضمنت مقعداً متقدّماً وثيراً مع أهل الكتابة، سواء أكان ما تكتبه قابلاً للقراءة والبقاء، أم لا!!
وبعيداً عما يثيره ذلك من ألمٍ سببه الورود التي ذبلت على الأغصان الغضة، بل قطفت عنوةً، يسعدني اليوم أن أقف أمام تجربة موجبة، مضيئة، متواضعة، تسمي نفسها طالبة: فهي تسال وهي تعرفُ زيادة في التأكيد، وميلاً قانعاً بالتواضع للتواضع، وتكتب وهي تعلم، ثم تسال وهي تعلم.. فنفرح بعلمها، كما نفرح بأسئلة التوكيد.
نورة مطلق: نخلة باسقة من نخيل هذا الوطن، تابعتها لأشهر على الفيسبوك، وعبر صفحات الجزيرة الثقافية، أول ما يطالعك في سيرتها عبر حروفها: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} (39) سورة النجم، ثم تكتب: يسكنها « الوطن» من نقطةِ النون في اسمها, إلى تائه المربوطة في معصم ِ الشمس..
هي طفلة أبيها التي لا تتجاوز الخامسة في قلبه، والذي علمها كيف تكون الكتابة من القلب، وبه، وفيه!
تتقنُ ثلاث لغات، لكنهَا تصلي بالعربيةِ, وتترجمُ إلى لغةِ السماء! يغتابها « الشعر» فتستغفرُ منه, وله! وقد علمها محمد صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمالُ بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى).
وعن سر إجادتها للغتها العربية على غير عادة كثير ممن يدرسون اللغات الأخرى تقول: أتذكر عندما سألتني الأستاذة التي قابلتني للقبول في قسم الترجمة: لماذا تريدين التخصص في الإنجليزية؟ قلت لها لأُعلمَ العربية!!
والحقيقة أن أول ما لفت انتباهي لكتاباتها هو العمق اللغوي، ثم التكثيف للحالات التي تعبر عنها، فكأنها اختصار لرحلة الشجرة نحو الثمرة، أي أنها لا تهرب من اللغة كما يفعل كثير ممن نقرأ لهنّ هنا وهناك، بل هي تلجأ لهذه اللغة الثرية بحب ظاهر، ونباهة بالغة، لتعينها على بناء قصرها الخاص، وعالمها الإبداعي الذي لا يفتح كل نوافذه، ولكنه يترك للهواء فسحة لنكتشف ما وراء الستائر، رغم أن الستائر جميلة متناسقة في أشكالها وألوانها.
فإن أردنا بلوغ الخيال معها فهنا سلم خشبي رفيع من أختها الشجرة:
استعارة:
تفرقُ التسبيحَ على أفواه أصابعها
تتفقدُ الفرحَ في وجوه الصغار..
لا تخبرهم,
أنّ الهواءَ يجهرُ بالحزنِ, وتُسِرُّه ضراعة.
لا بأس صغاري!
حين نستعير البِشَارات والأعياد.. «
وإنْ دعانا حنين الانتماء، وتُقنا للوضوح، فهي حاضرةٌ هنا:
رهان:
التحفوا الوطنَ
وناموا..
على طهارة..
ستصبح على حبنا يا وطناً
فرّق النومَ علينا بالتساوي.».
وإنْ نحن تساءلنا عن أشجار الحزن، وبراءة القلب الطفل، حدثتنا عن الشجار:
عن شجار:
ماتَ شِجارنا المُعمِّر
وها صغارُ الأمنياتِ ترتدي يتمها..
فاذهبْ..
وقُصّ من الذكرياتِ المفخَّخة وهماً,
وألصقهُ على جبينِ أُحجيتنا: دعاء..
دع الجراحَ تصلي على عتباتِ الكلام
يؤمها آخرها نزفاً .
دع مساءاتي
كأقلام الأطفالِ؛ مبرية من الجهتين !
فلولا أنتَ :
ما كمّم الحزن كفي
وما كنتُ ارتطام فرحٍ بخذلان!
وإنْ نحن رمنا العمق، ودقة الملاحظة، فهنا المحار:
« إقرار:
(1)
لنخلةٍ على رصيفٍ لا يُزار:
كان قدراً
أنّ ألوان البلح شتى..
وطعمه واحد.
... تذوقتُ
قوة الخوص!
(2)
لقصيدة قيّض الله لها وجهي:
قد تقاسمنا الهواء
فاكتملت
حفلة الاختناق!».
ليس هدفي هنا مجرد الكتابة عن اسم، أو عن رسمٍ، رغم محبتي لذلك، وليس هو النقد لأعمال بعينها، بقدر ما هو الإشارة بكل اعتزاز وزهو إلى ما يلفت ويبهج ، لعل أصحاب النقد والواجهات، بمختلف مدارسهم وأدواتهم، يلتفتون إلى الشجر والكلم الطيب، فيكتبون، ويرسمون على جدران المعرفة، ويأخذون بيد هذه العقول الجميلة المتواضعة - التي لا تحسن الطرق على الأبواب، وليس هذا من طبعها - بدلاً من هذا الضجيج المفتعل الذي يصم أذني الثقافة، والذي هو في النهاية، كما كان في البداية، لا يسمن ولا يغني من جوع!!
قد تكونُ نورة مطلق في بداية طريقها وأسئلتها، ونحن هنا لا نقدّم الإجابات الجاهزة، لكننا بكل تأكيد نشير، ونبارك لها الطريق، والأسئلة.
- التفاصيل
- الزيارات: 25996
هي سبّورةٌ
عرضُها العمرُ
تمتدُّ دوني..
وصفٌّ صغيرٌ
بمدرسةٍ عندَ (باب المعظّمِ)
والوقتُ..
بين الصباحِ
وبين الضّحى
لَكَأنّ المعلمَ يأتي إلى الصفِّ
محتمياً، خلفَ نظارتيْهِ،
ويكتبُ فوقَ طفولتِنا بالطباشيرِ،
بيتاً من الشعرِ:
- من يقرأُ البيت؟
قلتُ:
ـ أنا..
واعترتْني، من الزهوِ،
في نبرتي رعْدةٌ
ونهضتُ..
- على مَهَلٍ
قالَ لي:
- تهجّأْ على مَهَلٍ..
إنها كِلْمةٌ...
ليسَ يُخطِئُها القلبُ
يا ولدي..
ففتحتُ فمِي..
وتنفسّتُ..
ثم تهجّأتُها، دفعةً واحدةْ
- وطني
وأجابَ الصّدى:
(وطني.. وطني)
فمِن أينَ تأتي القصيدةُ
والوزنُ مختلِفٌ
والزمانُ، قديمْ؟
كان صوتُ المعلمِ، يسبِقُنا:
- وطني لو شُغِلتُ..
ونحن نردّدُ:
- بالخلدِ عنْهُ
فيصغي إلينا
ويمسحُ دمعتَهُ، بارتباكٍ
فنضحكُ
الله..
يبكي.. ونضحكُ
حتى يضيقَ بنا.. فيهمسُ
- ما بالكم تضحكون
أيها الأشقياءُ الصّغار
سيأتي زمانٌ..
وأُشغَلُ عنه
وأنتم ستبكونَ..
وزنانِ مختلفانِ..
وقلبٌ،
تقاسمَهُ جدولانْ
جدولُ الضربِ.. والحبِّ،
ماتَ المعلّمُ،
منذ سنين،
وسرتُ وراءَ جنازتِهِ..
وكان معي،
( وطنٌ لو شُغِلتُ )
وكان يراقبني الناسُ
( بالخلدِ عنهُ.. )
ومرّتْ سنونٌ..
ولم يبقَ في الصفِّ
غيرَ الغلامِ الذي كنتُهُ
بين عشرين، في الأولِ المتوسّطِ..
قال المعلم:
- من يقرأُ البيتَ؟
قلتُ:
- أنا اقرأُ البيتَ، يا سيّدي
ونهضتُ..
ولكنّني،
لفرْطِ المحبّةِ، أخطأتُ في النّحوِ..
فاسودّ لونُ الطباشيرِ،
واحمرّ لونُ المعلّمِ،
وامتلأَتْ وجنتايَ
بحبّ الشباب..
المحبّةٌ دَيْنٌ..
فيا سيّدي:
أعطِنا ندماً
بقدرِ محبتِنا
وخذْ قلمَ الفحمِ
وارسمْ لنا شاربيْنِ،
وزوّرْ رجولَتنا..
وقدْنا معاً،
لمظاهرةٍ، عند بابِ المعظّمِ
نحملْ وراءكَ سبّورةً من قماشٍ قديمٍ
وبيتاً من الشعرِ
لا يُخطِئُ القلبُ فيه..
.......................
خرجنا من الصفِّ
كانتْ براءَتُنا،
مُخبّأةً في كتابِ الحسابِ
وحين وصلنا إلى البابِ
راح المعلّمُ يسبقنا،
أشعثَ الشعرِ
يلهثُ منْ غَيْرةٍ
ونحنُ،
وراءَ لهاثِ المعلّمِ
نبكي ونضحكُ
مختلطِينَ
بصوتِ الهتافاتِ والطلقاتِ
فمِنْ أينَ تأتي القصيدةُ،
والمخبرونَ،
يسدّونَ كلّ الشوارعِ
أوقفني عندَ " عقدِ النّصارى " المحقّقُ
كنتُ أقولُ لهُ:
- وطني..
فيشتمُني
فأصرخُ
بالخلدِ عنهُ..
ويضربُني
فأهتفُ
- بالسّجنِ
صاحَ:
- خذوهُ إلى السجنِ
فاقتادني المخبرونَ
وعن كثبٍ
كان شعرُ المعلّمِ،
يبيضّ من ألَمٍ..
وصوتُ التلاميذِ
يشحُبُ،
بين الصّباحِ
وبين الضّحى..
................
خرجتُ من السّجنِ..
متّسِخاً..
مثلَ سبّورةٍ،
كتبَ السجناءُ عليها شتائِمَهمْ..
كنتُ ممتلئاً بالعناوينِ،
أحملُ تاريخَ كلِّ المساجينِ،
في بيتِ شعرٍ،
سيبقى يلاحِقُني..
( وطني لو شُغِلتُ بالخلدِ عنهُ
نازعتْنِي إليهِ.................. )
عراقيّةٌ
تتقِنُ الموتَ والحبَّ..
وزْنانِ مختلِفانِ
وعينانِ واسعتانِ
وحِجْلٌ ثقيلُ..
وكحْلٌ
وأسئلةٌ
وفضولُ..
ذهبنا إلى الكاتبِ العدلِ،
والكاتِبُ العدلُ
أرسلَ أوراقَنا للمحقّقِ،
قالَ المحقّقُ،
وهو يُحدِّقُ
ما بين عينيّ:
- والآنْ..
من يقرأُ البيت؟
صاحتْ:
أنا أقرأُ البيتَ..
والتَمَعَتْ،
مثلَ ياقوتةٍ،
تحتَ شمسِ ضَرَاوَتِها..
وخُيّلَ لي،
أنّ هذا المحقّقَ
يمضي بها، إلى غرفةٍ
على شارعِ النهرِ
وهي تقولُ له:
- وطني..
فيشتمُها..
فتصرُخُ غاضبَةً
- لو شُغلتُ..
فيبصقُ في وجهِها
فتهْتِفُ:
- بالخلْدِ عنهُ..
فيضرِبُها..
فتصيحُ،
وقدْ أوجَعتْها كرامتُها:
- نازعتْنِي إليْه..
في الموتِ..
........................
كانتْ عراقيّةً..
وكانتْ، إذا أقبلَ الحبُّ
أوْ أقبلَ الموتُ
ينتابُها شغَفٌ
مثلَ قِدِّيسَةٍ..
فتُطفئُ شمعتَها.. وتموتْ.
............................
سُكُوتْ..
لمْ يعُدْ ثَمَّ،
مَنْ يتجرّأُ..
أنْ يتهجّأَ بيتاً مَن الشعرِ
أوْ يتذكّرُ،
في السّرِّ،
عنوانَ بيتِ حبيبتِهِ..
فالمعلمُ ماتْ
ولمْ يبقَ،
غيرُ غبارِ الطباشيرِ
والكلماتْ..
فكيفَ، تتِمُّ القصيدةُ؟
إنّي لفرْطِ المحبّةِ، والحزنِ
أخطأْتُ في الوزنِ،
فانقطّعَ البثُّ..
...............................
...............................
ثمّ ابتدا البثُّ..
قالَ المذيعُ:
- إذاعةُ بغدادَ
طِبْتمْ صباحاً
فطِبْنا.. وطابَ الصباحُ..
وأحسَسْتُ
أنّ شذىً،
يتصاعدُ منْ رحِمِ الأرضِ..
فيه مزاجٌ من الماءِ والطينِ،
والقمحِ،
قبلَ اختمارِ العجينِ..
وخُيّلَ لي،
أنّها شاشةٌ، عرْضُها العمرُ،
تمْتدُّ دوني..
لكأنّي بذاك المعلمِ،
يظهرُ، متّقداً بالحنينِ
ويقراُ للناسِ بيتاً من الشعرِ..
قالَ المُعلّمُ:
- من يحرسُ البيتَ؟
قلتُ لهُ:
- أنتَ مَنْ يحرسُ البيتَ يا سيدي..
واعترتْني من الزّهوِ،
في نبرتْي رعْدةٌ..
فأفَقْتُ..
رأيتُ شموعاً،
ببابِ المُعَظّمِ مُوقَدَةً،
وهلالاً يسيرُ على الماءِ،
يتْبعُهُ موْكبانِ،
من الحبّ والكبريَاءِ..
فأينَ خِتامُ القصيدةِ؟
إنّ المعلمَ يسبِقُنا..
ونحنُ وراءَ المعلمِ،
نلهثُ..
كنتُ أقولُ لهُ:
- وطني..
فيعانقُني..
وأهمسُ مضطرباً:
- لو شُغِلتُ..
فيسألُني:
- بماذا شُغِلتَ..
ويُومِي، إلى موكبِ الشّهَداءِ..
لكَ الله يا سيّدي..
لكَ اللهُ يا سيّدَ الشعراءِ..
أنا غيْرتي نازعَتْني..
وعَيّرَني،
لحظةَ الشعْرِ صَمْتي..
( رأيتُ المواكبَ تزحفُ دوني..
صرختُ خذوني..
فلمْ يسْمَعِ الرّكبُ،
صوتي..
تعرّقَ للحربِ قلبي
كما الأمُّ عندَ المخاضِ،
وقدْ سَجَرَ الناسُ للخبزِ،
قلتُ:
- العوافي لكمْ
كلّ ما تسجُرُونَ
وصُبُّوا على النارِ زيتِي.. ).*
أنا رجلٌ ما يزالُ يُجرّبُ
أنْ يمزجَ الماءَ بالزّيتِ
والزيتَ بالدمِ..
والدّمَ بالدّمعِ..
ملتبسٌ
أبداً
بين وجهينِ
وجهٍ بريءٍ..
ووجهٍ مرائي.
ذهبتُ إلى الكاتبِ العدلِ،
والكاتبُ العدلُ
أرسلني للمحقّقِ..
قلتُ لهُ
- ما ترى؟
إنّهُ آخرُ العمرِ،
ما عادَ متّسعٌ،
لأُتِمَّ القصيدةَ..
خذني إلى الحربِ
يا سيّدِي..
لعلّي هنالِكَ،
أختمُها بدمائي..
23/11/1985
________________________________________
* مقطع من قصيدة «رياح بني مازن 1967»
- التفاصيل
- الزيارات: 2763
لم يكن عبد الله نور رحمه الله أول من أضاء لي، ولن يكون الأخير، لكنه باختلافٍ معتمدٍ على قاعدة تراثية، ومعرفة لصيقة بالواقع وكل ما يجد، وذكاء ولماحية وسخرية مريرة، وضحكة مجلجلة بنظرات تقلب أرجاء المكان، وتتفحص الوجوه، وزوايا المكان، كان من أشد من أثروا بي، وجعلوني أعيد حساباتي وقراءاتي.
جمع أبو عبد الرحمن مع عمقه التراثي، ولعاً بكل ما هو حديث، مدهش، وخارج عن العادية والرتابة، والجمود. سواء كان عالمياً أم عربياً، أم شعبياً.
وكانت له قدرة غريبة على التأقلم مع الناس.. كل الناس.
التقيته أوائل الثمانينات وكان ملازماً للصديقين جار الله الحميد وعبد الله الصيخان، محباً لهما، وظللت أراه كلما خرج من حالاته الشنفريّة، وأقصد هنا اعتزاله الناس، بشكل متقطع عبر السنين، وكان كلما رأيته قد ازداد شباباً وبهاء.. وطولاً.
كان عبد الله كريماً محباً حنوناً، يبذل كل ما لديه إذا تيسرت أحواله، مانحاً من معه كلّ ما معه، وكان كالصعاليك الذين أحبهم في تراثنا الشعري، لا يحب الشعر ويحفظه ويكتبه بل يعيشه بكل تفاصيله.
وأذكر أنه كان عائداً للتو من رحلة إلى المغرب فهاتفني قائلاً: مرني لدي هدايا لك، ولكن أسرع فقد تنتهي!!
فمررت بالفعل عليه في منزله في " الشميسي "، كان جالساً على الأرض والكتب بالعشرات من حوله.. قال لي تفضل اختر منها ما يعجبك..هي لك!!
كنت أختلف مع أبي عبد الرحمن ولكنها اختلافات محبة لا كراهية، يزول أثرها خلال ساعات، ولكنني ظللت أتفق معه، وأحبه، وأتفهم حياته، وأدبه، وجنونه الخلاق.
كنت أجالسه، وأسافر معه وأتلقى منه كتلميذ مندهش معجب بالظاهرة المتجددة التي أمامه، معجب بمعلمه، فزاد التفاتي للتراث، وازداد توازني مع الشعر الحديث.
ولذلك ظللت أسعى إليه رغم تقطع السبل بيننا، ظروفي وظروفه: وكان من آخر ما قاله لي في آخر لقاء جمعنا: لقد ظلمناك يا محمد.. ظلمتك فقد كنت ميالاً للصيخان وآخرين.. وضحك وحضنني..
قلت له بل كنت أباً لنا جميعاً.. لا عليك، وكان ذلك منذ وقت ليس ببعيد بقياس فترات غياب عبد الله.
وأذكر أنني عدت إلى المكان الذي كان مقيماً فيه عند الصديق محمد الصالح للاطمئنان عليه، فلم أجده.. ووجدت الصالح الذي أخبرني بمغادرة النور، تحدثنا عنه بجمالٍ وتفضل بإهدائي هذين البيتين خطهما عبد الله نور بخطه الجميل الواضح المميز ولا زلت أحتفظ بهما:
إذا ما الدهرُ جَرَّ على أنــاسٍ
بكلكلِهِ أنـــاخ بآخــرينـــــــا
فقل للشامتيــن بنا أفيقــــوا
سيلقى الشامتون كما لقينــا
تعرفت مع الصديق الراحل عبد الله نور على عوالم شعرية متباينة ومختلفة يجمعها خيط إبداعي واحد هو التجاوز والاختلاف، وكان كل منها يأخذ شكل تميزه بطريقة أبي عبد الرحمن الفذة في تصويره حين يتقمصه بطريقة مسرحية صافية تخصه هو وحده.
فكلنا قد تعرفنا على الشنفرى في مرحلة أو أخرى، ولكننا مع عبد الله نور عايشناه، بل عشناه صعلوكاً متمرداً كريماً جواداً شاعراً نبيلاً مغرداً متفرداً.
لقد أهداني النور مبكراً معرفة الشنفرى، والصمّة القشيري، وعنترة وسيل من الشعراء، كما عرفني على فواز عيد واليوت وباوند وغيرهم.
كان المكان لا يسع أبا عبد الرحمن حين يقرأ لأحدهم أو يتحدث عنه، بل كانت خشبة المسرح التي ينصبها أينما ذهب تقصر أحيانا عن خطواته الفارهة، إذ أنه لا بد أن يتجلى واقفاً بعد بيتين لأي منهم ليكمل القصيدة إيقاعاً وتجسيداً، حتى تعودنا منه ذلك كخبزنا اليومي.
وكان كلما قرأت له في بداياتي يحرضني على رفع الصوت والإبانة والتجويد والتجسيد.. يحرضني على تقمص حالة الكتابة الأولى.
لقد كنا نردد مثلا هذه الأبيات غير مدركين، أو غير عابئين بشاعرها أو بالقصيدة وترتيبها:
بكت عينك اليسرى فلما عذلتهـــا
عن الجهلِ بعد الحلمِ أسبلتا معـــا
وليست عشيات الحمى برواجــعِ
إليك ولكن خلّ عينيك تدمعـــــــا
وأذكر أيام الحمـــــــــى ثم أنثني
على كبدي من خشيةٍ أنْ تصدعا
ثم اكتشفناها حين حببها لنا أبو عبد الرحمن وقرّب شاعرها من ذواتنا العجلة، فتعرفنا على واحد من أرق شعراء الجزيرة على الإطلاق، هو الصمة القشيري، وقد اهتم به كل من الشيخ الجاسر، والباحث الفيصل، ولكن اهتمام عبد الله نور كان من نوع آخر، فقد كان اهتماماً شعرياً وتحليليا يكشف عن عبقرية فريدة، وطاقة كشف نادرة متوقدة.
ومن تلك المحبة، وذلك التقريب، ذلك أنني ما زلت أستعيد من الذاكرة للصمة القشيري، ولكن دون ترتيب، فمن أين لي بذاكرة كالذاكرة العبقرية التي كان يتمتع بها ليروي لنا لساعات من الشعر والنثر غيبا، ودونما لحن أو تباطؤ أو نسيان:
ألا من لعينِ لا ترى قلل الحمى
ولا جبل الأوشال إلا استهلـــّتِ
ولا النير إلا أسبلت وكأنهـــــــا
على ربدٍ باتت عليـــــه ِ وظلّتِ
لجوجٍ إذا لجّت بكــــيٍّ إذا بكت
بكتْ فأدقّتْ في البكــــا فأجلتَِ
ومنها هذه الأبيات التي أحبها وميزها عبد الله شرحاً وتعليلا:
ألا قاتل الله الحمــــــــى من محلةٍ
وقاتل دنيانا بهــــــــــا كيف ولتِ
أقول لأصحابي غداة فراقـــــــها
وددت البحورَ العامَ بالناس طمّتِ
لتنقطع الدنيا التي أصبحت بنـــــا
كمثلِ مصاباتٍ على الناس عمّتِ
لقد انتزع أبو عبد الرحمن الصمة من التراث ليدخله إلى قلوبنا التواقة للجمال، وذلك عبر مقدرته على تقريب البعيد، وتبسيط الصعب كما في لامية العرب.. وغيرها من عيون الشعر العربي.
لقد حبب العملاق التراث في نفوسنا، كما نبهنا إلى أن الحديث ليس بحديثٍ إلا بمدى قدرته على التجاوز، إلا بقاعدة معرفية عميقة، إلا بركوب الصعب، إلا بلغة ثرية ورؤية صافية.
لقد أجلسنا أبو عبد الرحمن أمام التراث تلاميذَ نجباء كاشفين لنا أسئلتنا الخاصة، لا متلقين بلداء نردد ما نسمع دون إحساس بقيم الجمال، مكامنه وبواعثه.
وقد أحب عبد الله نور الشاعر الفلسطيني فواز عيد حباً عظيماً، وكان يجمعهما حب وفهم التراث والتاريخ العربي الإسلامي، وافتتان بكل حديث، وأعوامٌ طويلة قضاها فواز في المملكة هو والقاص والروائي سالم النحاس.
وكان أبو عبد الرحمن يحفظ تقريباً كل قصائد فواز في مجموعته " أعناق الجياد النافرة " الصادرة عام 1963 والتي تعد الأقوى من بين بدايات معظم شعراء الستينات الفلسطينيين حسب عز الدين المناصرة.
ورغم أن النور فتننا ومن بعدنا بروايته لقصيدة " دان.. دان " التي تجسد الراقص الجنوبي صاحب السبعين عاما:
صفق الراقصُ.. فاصطفت على الجنبينِ
جدرانٌ، ونخل ٌ
ويدانْ
واستدار الليلُ " خوصاً "، ووجوهاً
تتلوى: دانِ.. دانْ
كان شيخاً.. خلفه سبعون عاماً وصحارى
وعلى الخصرِ نطاقٌ..
وعلى الساحِ تلوبُ القدمانْ
تخفقُ الراحةُ كالنسرِ على الأخرى..
وتعدو الساقُ خلفَ الساقِ..
يلتفّ.. ويستعطي أكفّ المنشدينْ
راقصاً من عمره السبعين.. ينْفضُّ
جبينٌ بارقٌ..
تبكي- إذا أوجعهُ اللحنُ – شفاهٌ
ويدانْ
ويغني طائفاً بالساحة الكبرى..
فتنهدّ أكفٌّ: دانِ.. دانْ.
إلى آخر القصيدة الجميلة التي كان يغنيها أبو عبد الرحمن راقصاً، إلا أن القصائد الأخرى التي كان يرويها كانت بنفس الدرجة من الفتنة، والموسيقى العالية، والتفاصيل والدفء والجودة.
ومن تلك القصائد الرائعة قصيدة " رواه الترمذي " ومنها:
هما عيناك.. و الخلجان والغرقى
هما خدرُ القواريرِ
هما القاتُ
موانئُ.. فيؤها الألوانُ والأسرى
أجيءُ إليهما لأموتَ ملقىً مثلما ماتوا.
* * * * *
هما تعبُ النوافيرِ
تنوحُ بساحةِ الليلِ الكبيرِ.. بساحةِ الميدانْ
هما ماضيَّ.. أيامي التي أحيا.. هما الآتي
بكى صحبي لأنّ سحابةً مرتْ..
وما جادتْ بواحاتي.
وقصيدتا " أيلول الجامح " و " تشرين يمر " .
إلا أن الشمل تفرق، ولم يجتمع الشتيتان، بعد مغادرة فواز إلى الشام.. والمخيم، وزياراته المتباعدة، فلم تحظ دواوينه اللاحقة بنفس الدرجة من الاهتمام، خصوصا " من فوق أنحل من أنين"، كذلك ديوان " بباب البساتين والنوم " الذي كان متميزاً وجميلاً كعادة شعر فواز، إلا أنني لم ألحظ أبا عبد الرحمن يتحدث عنه.
وأذكر أنني قابلت النور بعد وفاة فواز وشكرني على الكتابة عنه، وساهم هو بجهده في لفت الأنظار إلى وضع أبنائه وأسرته من بعده، كعادة أبي عبد الرحمن رحمه الله في مساندة القريب والبعيد والغريب، والسعي لخدمة الناس وتقديمهم على نفسه.
وهكذا كان النور جامعاً بين التراث كما رأيناه لدى الشنفرى، والصمة وغيرهم، والحديث كما هو لدى فواز وغيره من مبدعي الشعر العربي.
أعراف/ الجزيرة
1327/2006
- التفاصيل
- الزيارات: 2667
السلام على الأمّة، وعقلاء الأمّة، وأخيار الأمّة، وخاصّة الأمة، وعامّة الأمّة:
يقولُ خيرُها، خيرُ البريّةِ، النبيّ العربيّ الأمين صلوات الله وسلامه عليه: (منْ كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليقل خيراً أوْ ليصمت ).
ونسألُ نحن الذين سُقينا هذا البيانُ مع حليبنا منذ الطفولةِ الأولى:
أليسَ مِن المحيّرِ المؤلمِ أنّ كثيراً ممّا نطالعهُ اليومَ بلغةٍ عربيةٍ مبينةٍ، عبْر منابرَ، وجهاتٍ، وواجهاتٍ، وتياراتٍ، أنّى حلَلنا، وأنّى ارتحلنا في هذا العالم، يتقاطرُ منه الكرهُ والحقدُ والشّرُّ، ويتلبّسهُ الجهلُ والتعميمُ والتضخيمُ، فيودي إلى التهلكةِ حتى تتفجّر شلالات الدّم.
فباللهِ بالله بالله أينَ ذهبَ إيمانُ هؤلاء الكتبة والمتحدثين؟!
وأين ذهبت الحكمةُ يا ربّ، وأين ذهبَ العقلْ
ما هذا الجنونُ الذي لا مثيلَ له من قبل، ولا يُعقَلُ أنْ يكونَ له مثيلٌ مِن بعد!!
ماذا يحصلُ للأمّةِ، وعقلاءِ الأمةِ، وعلماءِ الأمةِ، وأدباءِ الأمةِ، وشعراءِ الأمة؟!
ما الذي يحصل لنا يا أمّة؟
أوَ تمكنّتْ منا الفتنةُ حتى أحببنا الفتنةَ، ونيرانَ الفتنة؟!
هل تمكّن منّا الجهلُ والقتلُ حتّى استطبنا الجهلَ، وأحببنا القتل؟!
ويلكم، يا ويلكم منْ أيّامٍ سود.. وأسوأَ وأسودَ إنْ لمْ تتداركوا أنفسكم.
أوَ لمْ يعدْ للناسِ حرماتٍ حتى صرنا نتسقّطُ أخطاءَ الناسِ، ونفرحُ إنْ فُضِحَ الناسُ.. ونستطيبُ أذى الناسِ للناسِ، كبيرِهم وصغيرهم، ولاتِهم وشعوبِهم.
أعوذُ بالله من شرّ الناس الذين اؤتمنوا على أعراضِ الناسِ، فجعلوها عرضةً لكلامِ الناسْ.
وأعوذُ بالله من الذين اؤتمنوا على الكلمةِ فخانوا الأمانة، وأوردوا الناس موارد الهلاك.. وعزّزوا الجهل والفرقة، ففرقوا وفتّتوا، وزوروا وجزؤوا، وصنّفوا وحرّفوا، وتهيّؤوا فهيؤوا للناس الزيفَ حقيقةً، وهيؤوا لأنفسهم مقاعدَ في النار، يحاكِمون ويحكُمون من منابر الكلام: يزكّون ذاك، ويكفّرون هذا، كأنهم شقّوا قلبَ هذا، وقلبَ ذاك، كأنهم شقوا قلوب البشر وعلموا ما بها!!
فويلٌ لهم، وويلٌ للشتّامين اللعّانين، وقد نُهوا.
وويلٌ لمن ينظّرون من تحت أجهزة التكييف ليُدخلوا غيرهم نيران الحروب والتهجير والفقر والجوع.. يبثون سموم الكراهية والفرقة والتجزئة ويؤسسون للخراب، ثم يتباكون على الأمن والأمان، وما كان.
يهدّمون أركان أمتهم وأوطانهم، ويهدّمون بيوتهم بأيديهم في النهاية وهم يدركون، وقد لا يدركون، كتلك التي نقّضتْ غزلها.
ف ( قل أعوذُ بربّ الناسِ* ملك الناس* إله الناس* من شرّ الوسواس الخناس* الذي يوسوس في صدور الناس* من الجنةِ والناس ).
وأعوذ بربّ الناسِ، من شرّ الناسِ، ومن شرّ شياطينِ الناسْ!!
وأعوذ برب الناس من كلّ مشّاء بنميم، ومن كلّ منّاع للخير، ومن كلّ معتدٍ أثيم.
فيا أبناء الأمة، ويا أصحاب الكلمة منهم، وقد كثرت منابرها ومواقعها في كل مكان، وسهل بثها في الفضاء دون رقيب أو حسيب، لا تستخفّوا بكلمةٍ توردكم، وتورد أهلَكم وأوطانَكم الجحيم.