في حوار مع الصحافية منى حسن للقدس العربي:

محمد جبر الحربي: الثقافة جزء من كل، وعضو من جسد، والعالم العربي يعاني من خريفٍ مدمر..!

يرى محمد جبر الحربي أنه بينما تكفي رواية واحدة لتأمين حياة مؤلف غربي، يموت المثقف العربي، وهو لا يستطيع تحمل مصاريف الحياة، وأن حرب الثمانينيات على الإبداع في السعودية أخرجت أفضل ما لدى المبدعين.

محمد جبر الحربي شاعر وكاتب وإعلامي سعودي من جيل المجددين في القصيدة السعودية. ولد في مهد الشعراء، مدينة الطائف، المدينة المُلهمة بجمالها وطبيعتها الساحرة، وفيها بدأ دراسته التي أتمها في بريطانيا في منتصف السبعينيات. يعتبر من النخبة المثقفة الذين أثرى نشاطهم الساحة الأدبية شعرياً وإعلامياً. أشرف في مسيرته الإعلامية التي امتدت لأكثر من خمسة وعشرين عامًا من العطاء على عدة ملاحق أدبية في عدد من الصحف السعودية، فكان مشرفاً على الصفحات الثقافية والفنية في مجلة «اليمامة»، ومستشاراً للتحرير في جريدة «الجزيرة». كما رفد الساحة الثقافية بعدد من الدواوين الشعرية والكتب، منها: «بين الصمت والجنون»، «ما لم تقله الحرب»، «خديجة»، «زمان العرب»، «حديث الهدهد»، «جنان حنايا»، «طفولة قلب». ونال في مسيرته عدة جوائز وتكريمات آخرها جائزة وزارة الثقافة والإعلام للكتاب 1434-2013 عن ديوان «جنان حنايا» الصادر عن دار أعراف الرياض. كما كتب عن تجربته عدة نقاد أبرزهم عبدالله الغذامي، وسعيد السريحي.

التقيناه عبر نافذة مطلةٍ على جنائن الشعر فكان هذا الحوار:

■ هلا عرفت القارئ عليك إنسانا وشاعرا؟

□ أنا إنسان عربي بسيط محب لأهله وأوطانه، ولد وأمَّته تطرد الاستعمار من الباب، وشبَّ والاستعمار يعود إلى أوطانه عبر النوافذ. منحازٌ بفطرتي لقيم الحق والخير والحب والجمال، فطرت على الطيبة والعطاء كأهل المدينة المنورة، وتعلمتُ من طبيعةِ وأشجار مدينة الطائف التأمل والحكمة والصبر والعطــــــاء، ومن طيــورها الشعر والغناء، وعلمتني الرياض الجلَد والعملَ والنظام والالتزام. صقلتْ تجربتي الصحافة إذ قربتني من الأحداث وما يجري، وما يخطط لأهلي وأوطاني، وأضاءت عقلي وروحي العواصم والمدن القريبة والبعيدة. نهلتُ من ثقافات العالم وإيقاع وغناء شعوبها، فاكتشفت ندرة ثقافتنا ولغتنا وشعرنا وجمال غنائنا وأصواتنا.

■ تصرح دوما أنك شاعر صاحب قضية، ألست معي أن تأطير فضاء الشعر ضمن قضية ما يفقده شموليته وجوهر سريانه في الأرواح؟ ألا يفترض أن يكون كلٌّ منا كذلك؟

□ نعم أنا صاحب قضية، وصاحب رسالة، رسالتي الحق والخير والحب والجمال، وقضيتي المركزية فلسطين، والعرب الذين يريد العالم لغيرهم من الأعراق أوطاناً مستقلةً، بمن فيهم صهاينة اليهود، إلا هم فهو يسعى بقيادة أمريكا وإسرائيل إلى حرق وتجزئة وتقسيم أوطانهم. وأن تكون صاحبَ قضيةٍ وموقفٍ ورسالة، لا يعني أن تكون خطابيا جامداً، بل ذلك هو المحفز لتكون مبدعاً متجاوزاً لائقاً بقضاياك الكبيرة، ورسالتك العظيمة. وقد قلت كثيرا إنه على المبدع ألا ينسلخ من قضاياه، وما يهم وطنه وأمته وأهله، بحجج التحديث الواهية، وألا يقع في براثن الجسد، تأوهاته وتأويلاته، كما هي حال الانحدار الذي وصلنا إليه اليوم في كثير مما نقرأ، كما أن عليه في الوقت نفسه ألا يكون بوقاً نشازاً، وعازفاً جامداً، وتكراراً ممجوجاً يردد الصراخ القديم، معتقداً أنه يقوم بدور فعال في هزيمة الأعداء.. متناسياً دوره في الإبداع والتجديد، ورسالته في بث الجمال والحق والخير والحب والسلام، السلام العادل لا السلام الجبان المجحف المفروض بالقوة، الموقع بحبر الخنوع. إنها معادلة صعبة تحتاج للمعرفة والموهبة، ولعين ثاقبة، ولشعور عميق بما يدور في هذا العالم المسعور، كما تحتاج بالضرورة لشعور أعظم بالوطن والأهل والأمة، بالآلام والآمال، ومن قبل بالحب الخالص للحضارة العربية الإسلامية والهوية واللغة. وما ذكرته أنت سيدتي في السؤال ربما ينطبق على الحزبيين المنغلقين أكثر، والشعر والإبداع بشكلٍ عام، لا يقبل القيود ولا الأطر، فهو سليل الحرية بمعناها الإنساني الموجب، لا التدميري الفوضوي.

■ في خضم هذا العدد الهائل من الشعراء والدواوين، كيف يمكن للشاعر أن يؤصل لذاته كمبدع حقيقي؟

□ ببساطةٍ أيتها العزيزة، أن يكون هوَ، ينهل من جميع أنهار الثقافة والإبداع، ويربط ماضيه بحاضره دون أن يسقط شعلة المستقبل، وأن يرسم يومه ومستقبله ببصمته هو، متكئاً على إرثٍ إنسانيٍّ هائل، دون أن يفقد ملامحه ولون عينيه ومِشيته وهويته، وهوَ لن يكون هوَ بدون رسالةٍ وقضيةٍ وهوية.

■ فترة الثمانينيات كانت فترة مهمة في تاريخ الشعر السعودي، حيث طرقت الحداثة أبوابه، ولكنها أيضا كانت فترة خاصة في ظروفها، عانى شعراؤها الإقصاء والتوبيخ المجتمعي، فهلا حدثتنا عنها وعن تجربتك فيها بصفتك أحد روادها؟

□ الثمانينيات كغيرها، تماما كالخمسينيات والستينيات والسبعينيات، وأنا لست مع هذا التقسيم للشعر والشعراء، فالشعر لا يختصر في سنوات قليلة، بل عبر تجربة عمر، لكن ما حدث أواخر الثمانينيات من رِدة، لم تطل الشعر فحسب، بل كل منجز حديث، ومن ذلك الآداب والفنون، التعليم، الأجهزة الحديثة كالجوال، والأطباق الفضائية «الدش»، والمحطات الفضائية، ضيِّق على المرأة كما ضيق على المبدعين، واليوم نجد أن من قادوا هذه الحملات المناهضة للتجديد، هم أصحاب القنوات الفضائية، والتقنية الحديثة، ونجوم الوسائط الاجتماعية كتويتر والفيسبوك. حرب الثمانينيات على الإبداع وإن أبطأت من وتيرته في مرحلةٍ، إلا أنها كما في كل الحروب أخرجت أفضل ما لدى المبدعين، بل ساهمت في ظهور إبداعات شابة جديدة، إذ سرعان ما عادت أنهار الإبداع إلى تدفقها بشكل أعمق، وأجمل، وأكثر تغييراً وتأثيرا، بعد أن استوعب المجتمع هنا، وفي الوطن العربي بشكل عام، أسباب هذه الحرب، وعرفوا مثيريها ونواياهم ومخططاتهم، وأدركت الحكومات أيضا خطر ذلك على الأوطان والأمة، والحضارة العربية بشكل خاص.

■ في رؤيتك، ما أشد المعوقات تأثيرا على نتاج المبدع العربي؟

□ أول المعوقات هو انخفاض سقف الحرية، سواءً في الواقع كحياة، أم في المتخيل كمنتج، وندرة الاستثمار في مجال الثقافة، وقلة الدعم للمشاريع الثقافية والإعلام الثقافي، وعدم القدرة على تحويل الثقافة إلى صناعةٍ واستثمار، وعدم القدرة على تمكين المؤسسات والكيانات الثقافية من الانفصال عن الجهات الحكومية والرسمية، وعدم وجود شركة توزيع متخصصة في ترويج المنتج الثقافي، فما زال الأديب المبدع يعاني من روتين الجهات الرسمية، ومن عدم وجود دخلٍ كافٍ، أو مردود مجزٍ لنتاجه. فبينما تكفي رواية واحدة لتأمين حياة مؤلف غربي، يموت المثقف العربي، وهو لا يستطيع تحمل تكاليف السكن، أو العلاج، أو مصاريف الحياة بشكل عام. هنالك سوء إدارة لدى الجهات الرسمية التي خولت لنفسها المسؤولية عن الثقافة، فلا هي أحسنت للثقافة، ولا هي أعتقتها. إضافة إلى مشكلة النشر التي ما زالت قائمة من ناحية التوزيع ووصول الكتاب، وما زالت دور النشر في معظمها، وجهات التوزيع بشكل عام عبر الوطن العربي تسرقُ جهد المؤلفين، ولا تعطيهم حقوقهم، ولا تقدم لهم قوائم صادقة لحركة النشر.

■ كيف ترى واقع النقد العربي عامة، والموجه إلى أعمالك الشعرية خاصة؟

□ النقد يزدهر مع ازدهار الإبداع، وقد حظيت أعمالي بعدد وافر من الدراسات والقراءات، واسمحي لي ألا أدخل في التفاصيل، ولكنني والنقد في جزرٍ ومد.

■ ما السر وراء انزواء أغلب الشعراء السعوديين حتى مطلع الألفية عن المشهد الشعري العربي رغم إبداعاتهم التي واكبت نظراءها في دول أخرى مثل العراق ومصر والشام؟

□ مرت فترة من التعتيم على نتاج الشعراء الحديثين بعد الحرب الشرسة ضدهم في أواخر الثمانينيات، استبعدوا من الأمسيات والمناسبات، ولم يكن هناك قبول لنتاجهم في كثير من الصحف أو عبر وسائل الإعلام، يضاف إلى هذه الخيبة ظهور بعض النقاد الذين أرادوا إسقاط التجربة بشكل كامل، وخلع كل إنجازاتها عنها، ووصول عدد كبير من الصحافيين من غير متذوقي الشعر، أو ممن لا يحسنونه، ولا يرون فيه ديوانا للعرب.. إلى مناصب قيادية في الصفحات الثقافية تتيح لهم الإساءة إليه، وإلى رواده. وكل هذا لا ينفي مزاجية الشاعر السعودي، وكسله أحيانا، وخيبته مما جرى ويجري، وحزنه على على كل ذلك.

■ كيف تنظر لمستقبل المشهد الثقافي العربي في ظل التحولات التي تعصف ببلداننا العربية؟

□ الثقافة جزء من كل، وعضو من جسد، والعالم العربي يعاني من خريفٍ مدمر يأكل الأخضر واليابس، سموه ربيعا، قصم ظهر هذه الأمة، ومزق أوطانها، وشوه كل ما فيها تقريبا، وأعادها قرونا إلى الخلف، فيما عدوها يشهد المسرحية ويضحك. لم تطله رصاصة، واختفى من واجهة الصراع. الإبداع كان ولا زال في عصرنا حالة فردية، والمواطن العربي بشكل عام يواجه الموت والدمار والمرض والفقر والتهجير في معظم أقطاره، فوضى شاملة، وخرابٌ مقيم، وإن كانت بعض الدول تمتلك مقومات النهضة الفعلية، لكنها هي نفسها تواجه أخطاراً وأعداءً من كل الجهات. وأنا أنظر بكثير من الإعجاب والتقدير لتجربة الإمارات العربية على كافة الأصعدة. وأنا لستُ متشائماً تماماً، فطبيعتي هي في العمل والمساهمة في النهوض، وإيماني في الأمل بالخير، لكنه واقعٌ صعب ومرير يحتاج منا كمثقفين، وجهات، كثيرا من المراجعة والتفكير مع العمل على إعادة تأسيس الجمال ونشره فقد قتلنا القبح.

■ بصفتك شاعرا وناشرا، لمن تُحمِّل المسؤولية الأكبر في رداءة المنتج الأدبي «شعرا ورواية» المتكدس في المكتبات ودور النشر العربية؟

□ للأسف دار «أعراف الرياض» للنشر قائمة لكنها لا تعمل كما خطط لها، فالجهات الرسمية التي عولنا عليها، لم تدعم أفكارنا، بل إنها اختطفت أفكارنا ونفذت هذه الأفكار بشكل مبتسر وعجِل عبرها لا عبرنا، فلا ساعدتنا ولا ساعدت الثقافة. أما رداءة المنتج فتتحمله الجهات المسؤوولة عن التعليم، والثقافة والإعلام، وكذلك الجهات الإعلامية التي تساهم في تتفيه الثقافة، ومحو اللغة والهوية، عن ترصد وقصد وسوء نية، كما هو الحال مع مئات القنوات الفضائية، أو عن جهلٍ وفقرٍ معرفي. إضافةً إلى أننا أخذنا من العولمة قشورها، ونشرنا ثقافة الاستهلاك، دون أن نحصن شبابنا بتعليمٍ يحفظ لهم هويتهم ولغتهم، كما ينمي لديهم القدرة على التجديد والمنافسة عالمياً.

■ كيف تُقيم تجربة الشعراء الشباب في السعودية، وتوجه أغلبهم إلى تحديث المضمون دون الشكل للقصيدة العمودية؟

□ أنا لا أقيِّم، ولكنها تجارب غزيرة ومهمة ولافتة، إن على صعيد القصيدة العمودية، أو قصيدة التفعيلة، أو قصيدة النثر، وقد كتبت عن كثيرٍ من هذه التجارب، وأكن لأصحابها كل الإعجاب والاحترام والتقدير.

■ ما أقرب مؤلفاتك إليك؟

□ لا يزال ديوان «خديجة» قريباً من روحي، فهو يحكي حالنا اليوم، وكذلك «جنان حنايا»، «وطفولة قلب»، لما فيهما من نظرة عميقة للحب والجمال كعلاج لما يكتنفنا اليوم من حروبٍ وثوراتٍ زائفة، وقبح، وحيرة وغموض.

■ كتبت الشعر والنثر، وتطرقت إلى أدب السيرة الذاتية، هل يستطيع الشاعر الانعتاق من لغة الشعر وهو يكتب غيره من الأصناف الأدبية؟

□ مهما تطاولت شجرة الإبداع وتفرعت، فإن الروح والجذور واحدة، والجينات والبصمة واحدة، أما وسائل التعبير فمتعددة. وأنا في الغالب أكتب النثر بروح الشعر.

■ مجلة «هنا الرياض»، ما رؤيتها وأهدافها؟

□ مجلة «هُنا الرياض» مجلة عاصمةٍ ووطن تركز على إنجازات المملكة وأبنائها المبدعين، وعلى كنوزها وآثارها، وهي تقطف ثمارها من أشجار العاصمة، نقدم فيها الصحافة والإعلام عبر بوابة الفن، وأنا صحافي منذ أيام الشباب الأولى، وأجد نفسي في الإشراف عليها، وقد تمكنا بجهود فريقٍ صغير بفضل الله من تحقيق ما تعجز عنه الشركات الكبرى، وقد أكملنا عامين بنجاح والحمد لله، ونتمنى، ونحاول الاستمرار في ظل ظروف صعبة على كافة الأصعدة.

■ جديد لك في الأفق؟

□ لدي « الأعمال الشعرية» وتضم سبع مجموعاتٍ شعرية تبحث عن ناشرٍ مميز، ومجموعتان شعريتان هما «الشكل والمعنى»، و « نشرة أخبار لراحل» ومخطوطان.. « رسائل إلى أمريكا»، و«ينابيع الذاكرة» سيرة ثقافية، وأفكار كثيرة قابلة للتنفيذ، لكن الوقت لا يساعدني كثيراً مع إشرافي على مجلة «هُنا الرياض»، ومع ذلك أحاول جاهداً تنظيم وقتي