الخميس 13 ديسمبر 2018

نسقيَّةُ المكانِ المُتحوَّلِ والنسقُ المضادُ الثابت/ خديجة

( ثيَمُ ) المكانِ المتحولةُ في نَصِ ( خديجة)

للشاعر

محمد جبر الحربي

(مقاربةٌ موضوعاتيَّةٌ)

تقديم : أ. أميرة محارب

 

إنَّ نصّا بكثافة نص (خديجة) للشاعر محمد جبر الحربي هو نص متجاوز, إذ استطاع الشاعر أن يحقق مفهوم التجانس في معمارية نصَّه, هذا التجاوز خلق فضاءات زمكانية تراتبية تجانس بين الحين والآخر حقوله الدلالية, مما ولد صورًا جمالية معبرِّة عن وعيِّ ومقصدية الشاعر، وعن لا وعيه العميق المؤدلج المخبوء تحت النَّص.

 

الوعيُ المحموم لدى الشاعر كشف عن نصٍ خلّاق, يعيد إنتاج المعنى في كل قراءةٍ متوثبة جديدة ذات منهج نقدي جديد. نص (خديجة) ذو كثافة رمزية هي سمة عميقة في سيرورة شعر الحربي، فمن خلال التشخيص وإقامة المعادلات الموضوعية والانتقال السخي بيين ثيَّم المكان المتحولة (القرية والمدينة), مع تأسيس شعريِّ خاص للمكان من خلال رؤية الشاعر وشرعية النسق المضاد/ خديجة, لذلك اعتبرُ أن النص هو الرهان العميق والكاشف عن البنى الشعرية لتجربة شعر الحداثة في المملكة العربية السعودية.

ولأن النص قائم على ثيَّم المكان المتحولة والمتجذرة في آن، فإنَّ الدراسة ستتبع المنهج الموضوعاتي عند العالم الفرنسي جان بيير ريشار.

 

الشرارة الأولى

جاءت خديجة
طلعتْ فتاة الليل من صبح الهواء، فأورقت تيناً وزيتونا ً وألقت

للنخيل تحية الآتين من سفرٍ فأينعت الوجوه شقائقاً ونمتْ

حبيبات الندى مطرا ً على تعب القرى

قمراً على الباب العتيق لعالَمٍ نسي الحديث الطفل، والكلمَ

المذابَ مع ارتخاءِ النهرِ أولَ ما ظهرْ

نسي القمرْ

نسيَ التطلعَ للقمرْ

طلعت على مد البصرْ
.

يكشف الحضور الأولي للنَّص عن استهلالية واضحة لفضاء القرية / كحضور أوليِّ يمتح من الذاكرة الأولى, الخلفية التي يقف عليها الشاعر منذ البدء /طفولة الكلمات, كما تتجلى مفاهيم قصديَّة الشاعر المثقف من خلال إدراكه لكيفية بناء النَّص وتخييله وايغاله في تفنيد رؤيته للمكان المقدس/ القرية وما تحمل من تبعات لفظية كوحدات دلالية.

هذا يدفعنا عبر القراءة الموضوعاتية إلى استكناه محاور القرية الدلالية في النص الطويل, الذي أمكننا سبر ثيمة القرية كما يجب واستخلاص الألفاظ المتعلقة بها, ومن ثم استخلاص الصور الجمالية المتداولة المعبَّرة عن البنية العميقة للنَّص والكاشفة عن الصور المكونة لمفهوم لا واعي الشاعر.

محور القرية /الأمان الأولي

يحتضن المحور الدلالي لمفهوم القرية لدى الشاعر محمد جبر الدلالات التالية:

(التين/الزيتون/النخيل/أينعت/نمت/شقائق/الندى/ مطرًأ/يزرع/يحصد/الحصاد/القرى /النهر/أزهرت / القمح/رحيق/جداول / النهر/ الأنهار).

تكاثفت الدلالات في صورة نمطية لكينونة القرية, وما بثته في فضاءات النص من محمولات الإنسان القرويِّ وهمومه الصغيرة اليومية المعتادة. فالنَّمو هو حجر الأساس لأغلب تفاصيل هذه الدلالات, كما يشترك الجريان والديمومة في الجزء المتبقي للدلالات, مما يعكس نفسية الشاعر ووعيه في تكوين صور جمالية مستأنسة هادئة تمايز القرية عن غيرها من الأماكن, فهي مكان جاذب ومغري.

إنَّ هذه الدلالات توحي للقارئ بالأمان والعطاء, إنَّها بمثابة صمام الأمان الذي يشترك فيه أغلب أبناء القرى, هذه الخصوصية الثقافية المجتمعية ظلت متواترة طيلة النَّص, وتعالقت في آخر النَّص مع الحضور المطمئن والمكتنز بالجمال والمعادل لها/خديجة:

طلعتْ خديجة من تفاصيل الهواء فأشرقتْ

ونمتْ على يدها القرى
ونما الهوى أبداً

هذا النَّمو هو أحد الدلالات المشتركة بين القرية وخديجة, لكن خديجة هنا هي التي تقوم بفعل الإنماء, فهي تعلو منزلة القرية في نفس الشاعر, ذلك أن رمزيتها تحكم زمام الجمال والتحرك والتفاعل والديمومة.

يكشف المحور الدلالي عن البنية العميقة التي تضمنها حضور القرية الشعري, وتتخلص في : أنَّ القرية ذات محمول ثقافي مستقر جميل في ذهنية الشاعر, القرية التي تحمل الذاكرة الأولى/ الأمان /الطفولة/ الإحساس بالجمال للمرة الأولى, فقد كانت القرية تملك حصانة ثقافية ومجتمعية خلقت صورًا جمالية متكررة مستقرة. هذه الخلاصة تؤكدها نهاية النَّص :"كلا وما كذبتْ تراتيل القرى".

فالصورة التي تشكلت عن لا وعي الكاتب هي السلطة الأيدلوجية لأفكار ومعتقدات القرية وأبنائها القارة في تخليق الشاعر لنَّصه. هذا السلطة التي لا يمكن لأحدهم أن يخرج عليها, بل يستأنس بحبِّ تحت ظلال عرشها.

 

محور المدينة/ الوطن

لقد حملت المدينة أقنعة مضادة لبراءة القرية في حضور الذاكرة الأولى, فكان الواقع الفني للمدينة واعيًا بالأيدلوجية الثقافية التي تكتنف أبناء القرية حول رؤيتهم للمدنية التي باتت ملعونة في أشعارهم وليل حديثهم.

تتضح دلالات المدينة في الحقل التالي:

(استروا/ عري/ سوءة/ اللقيطة/ احتموا/ تبينوا/ عجَّت/

المشاع/رماد/

الخرافة/خلعت/ السمسار/ الغزاة/ تجار /الكهول/سراب/

جمرة/جيف/العويل/الوجع/ الحرقة/ينأى / المنية/ التراب/

الضباب/الفراغ/منحنيًا/ تثار/ لا إجابة/ الغياب/ السواد/يغادرنا )

 

تضاخم فضاءات دلالات المدينة الطاردة بشتى أشكال الحضور القاتم, فاختلفت هنا الصور الجمالية, وكأنَّ القارئ دلف نصًا آخر, فهذا البشع تمايز شعريًا عن حسن القرية.

إنَّ المدينة بعمومها هي مدينة اللعنات والقذراة المستفيضة في عصر شعر الحداثة منذ أن أرسى عتمتها وخرابها الشاعر البريطاني ت.س. إليوت في ديوانه ( الأرض اليباب). فالمدينة بما تحمل من حضارة قاسية على حد اعتقاد شعراء القرى على وجه التحديد, جعلت من صورتها الشعرية هي الأخرى ذات معانٍ قبيحة, وفي هذا النسق قد تكاثفت قصائد المدينة بما حوت من عناصر قبح واستبشاع لدى أغلب شعراء هذه المرحلة في المملكة العربية السعودية1.

دلالات المدينة في نص خديجة تكشف عن تشخيص أنثوي للمدينة, ولكن هذه الأنثوية موسومة بالعري, باللقيطة, بالخرافة, فهي المدينة المبتذلة/ المرأة الساقطة. إذ طُرحت هذه المعادلات الموضوعية بوعيِّ شخصيِّ يتعالق مع وعي المجتمع في نبذ المرأة الساقطة.

إنَّ الشاعر كثًّف فضائية نصه حول المدينة بمعانٍ قاتمة, تعلن رفضه لما آلت له المدنية من خراب وفساد يتلقف كل ثقوب الحياة فيها, فدلالات (الجيف/ العويل /المنية /التراب) تؤازر بشاعة ما يعتمل داخل هذا المدينة المتخيلة. وكل الدلالات اللاحقة بها ( الغياب/ السراب/ ينأى/ ضباب /سراب /يغادرنا / الحرقة) تكشف عن مدى ضياع الشاعر والإنسان فيها, وحاجته للخلاص من أتون الفساد العالق فيها؛ لذلك تظهر خديجة مساندة لرؤية الشاعر, فتعبر عن ذلك بوصاياها التي هي صوت الشاعر الموؤد على أرض المدينة:

فاستروا عريَ البلادِ وسوأةَ المدن اللقيطةِ
واحتموا بوجوهكم

وتبينوا أنْ جاءكم نبأُ

وتكمل الوصايا في موضع آخر:

وأطلقت عصفورها للبوح في طرق السماءْ:
لا تزرعوا قمحاً من قبلِ أن يجد الفؤاد طريقة للناس..
لا تركبوا بحرً من قبلِ أن يجد الحمام مكانه في القلب.. لا
لا تطلبوا أجراً على وجع الكلام, وحرقة القلب المضرج
قبل أن يفد الحمامْ.
قالت.. وأسدلت الكلامْ.

وفي إشارة لوعي ومقصدية الكاتب, تتمثل خديجة المدلول له:

لا تقرأوا التاريخ
زيفٌ ما يسطِّره الذيول

خديجة التي تلبست الفضاءات الشعرية؛ فكانت الملاك القروي الذي يهدهد جراح المدنية, ويعود مرة أخرى للالتحام بطهر القرية.

أما الصورة الجمالية المستخلصة من لا وعي الكاتب فهي: عدم قدرة الإنسان عن الحديث والبوح بحريَّة وبرحابة فكريَّة متداولة بعيدًا عن رقابة الإعلام والسلطة في هذا المدينة, فالمدينة التي يزينها الإعلام هي مدينة الخرافة القائمة, لذلك نجده يقول:

كلا وربِّ السيف والكلمات والمدن الخرافةْ.
ما ناشني فرحٌ

ولا دونت اسمي في دواوين الخلافةْ
.

هذه الحرقة التي تغلف صوت الإنسان القروي الذي علق بالمدنية بغتة, ورفض المشاركة في اتساع الفساد فيها.

 

ظهور النسق المضاد/ خديجة

إن معايشة الشاعر للتعب اليوميَّ والتيَّه, تدرج معه عبر مقاطع النص, هذا التعب هو تعب خاص يقع في دائرة الذات, الذي انتقل معه عبر دوائر المكان المتحولة في النص:

 

دائرة القرية

" هذا أنا تعَبٌ ، ومرساةٌ ، وقيدٌ رافضٌ للقيد".

 

دائرة الصحراء

"( الغيث في الصحراء لا يأتي إذا تعبتْ أكفُّ الريح وانهزم الجوادْ ) ".

 

دائرة المدينة

" تعبتْ من البحث الطويلْ" ," تعبتْ من الركض الذي يمتد من فرح الأجنة"," تعبت من الوطن البخيلْ ", "تعبٌ وحال الناس في الأرض التعبْ".

 

هذا التعب العميق المتكرر والمتواتر دلاليًا, يظهر بصورة مثبطة ثابتة وقارة في النص, فنجد أن الدلالات المصاحبة للتعب تكثف حالة اللا فعل: (المرساة / القيد / البخيل/ الصحراء /انهزم)

والمعاني المضادة للتراكيب الآتية: (حال الناس في الأرض التعب/ البحث الطويل, الركض الذي يمتد, إذا تعبت أكف الريح).

إن حالة الثبات التي رسخها التعب في أمكنه المتحولة (القرية, المدينة) كونت نسقًا يكشف عن معاناة الشاعر المرحليَّة, وحاجته للتحرك والتمدد والانطلاق, فكان نسق خديجة الذي تأسس شعريًا, فلقد منح حضور خديجة ذاك الحراك في وعي الشاعر ومن ثم في النص:

جاءت فتاة الليل من صبح الهواء فأسفرتْ
دخلت على الأطفال موالا ً، ومالت للحديث فأزهرتْ

قرأت كتاب الله وانتثرت على الكلمات دفئا ً أسمرا

قمراً على وجع القمرْ
.
دمعتْ
.. مشتْ

(جاءت) هي لحظة البدء التي انثالت من الذاكرة, وتحرك بها المشهد الشعري, فالمجيء هنا هو لحظة إعلان بيان الخلاص, هذا البيان الذي سيمثله النص, والخلاص هو خديجة.

تحتفي تفاصيل خديجة بالذاكرة الأولى/ القرية, لذلك نجد دلالاتها من وحي القرية, كما امتازت بدلالات الحركة والانسيابية والنمو التي بدورها تفعَّل دينامية النسق الجديد, وتتحرك: ( جاءت / طلعت/ أورقت / أينعت/ ألقت / نمت /دخلت/ مالت/ أزهرت/ قرأت/ انتثرت/ دمعت/ مشت/ وضعت/ أسرجت/ احتفلت/ أطلقت/ تحدثت).

خديجة تدخل بشرعية دينية (قرأت كتاب الله) مما يعني أن الطهر صفة ملازمة لحضورها الشعري, فهي الدفء الأسمر الذي غشى حياة الشاعر, ثم تشكل شعرياً بصور مطمئنة.

خديجة معادلاً موضوعياً لما يوده الشاعر, وهي صوته الذي التزم بتفنيد رغبات الإنسان البسيط والجميل في آن. خديجة التي لعبت غواية البوح كشهرزاد, تأتي راويًا عليمًا يحكم أفق الكلام المشتعل نصًا:( ويضج طفل البوح في فمها ويشتعل الكلام), إن قيام خديجة بدور الكلام كان أساسيًا لتمثيل صوت الشاعر/ الإنسان البسيط.

وتتضح البنية العميقة المشكلة لحضور خديجة الشعري على النحو التالي: خديجة الحبيبة/ المعادل الموضوعي المؤسس بوعيِّ لستر فخاخ المكان, بتمثيل ذات الشاعر, ومن ثم في الحضور النهائي/ الصورة الجمالية الأعلى تأتي لتحقيق فكرة الخلاص من التعب. وهو ما شهده أخر النص من تحقيق توازن وبث حياة جديدة استطاع فيها الحب أن ينجح:

وكنا راحتين تحوطان الشمسْ
شفةٌ وشمسْ

لغةٌ ترطِّب مبسمين

حمامةٌ ترتاد ساحتنا

نُحِبُّ

نُحِبُّ

يا الله نحن الحبُّ

نحن الصرخة الأولى

ولون الماء والأشياءْ
.

 

بقي أن أشير إلى أن نص خديجة يعد فتحًا جديداً في الشعر السعودي المعاصر, إذ كُتب عن وعي وإدراك بارزين, تكشفا من خلال سكِّ معمارية النص. فالترميز عبَّر بكثافة عن رؤية الشاعر الخاصة, والمعادلات الموضوعية عن مقدرة الشاعر الفنيَّة في بنائهما, أما تحولات المكان فكانت متمايزة وذات هوية خاصة تحمل موروثاتها ومعتقداتها, وهذا الأمكنة تظل أماكن متخيلة وخاصة بالشاعر قد تتفق مع البعض وقد تختلف.

إن التجارب الشعرية في المملكة العربية السعودية تضاهي مثيلاتها العربيات، وإن كانت تخشى السلطة, إلا أنها طرحت من خلال الترميز أرائها الحادة والمنفتحة على أزمة الواقع الحديث، فهذه التجارب الجيَّدة تحتاج إلى ممارسة مناهج نقدية حديثة تواكب التطور, وتسعى إلى خلق واقعٍ ثقافي قوي, تحتاج التبصر لا الانغماس مجدداً في فخاخ القراءات التقليدية.

 


 

1- ينُظر، للاستزادة :صورة المدينة في الشعر السعودي المعاصر، أميرة محارب، رسالة ماجستر، جامعة أم القرى.