الجمعة 17 أغسطس 2018

 

ما أكثر العقول الجميلة في الوطن، أمل القثامية تحلق في فضاءات الطب والأدب والإعلام، وتبدع، فبورك العقل والجهد، وهي هنا في بحث جميل بديع:  

ما بين عنترة والهدهد

قراءة للسياقات التراثية في شعر محمد جبر الحربي 

أمل محيسن القثامية

مكة المكرمة

 

تكتنز دواوين محمد جبر الحربي بالكثير من الإشارات الدلالية التراثية المتنوعة، فتجد ليلى العامرية في طيوره:

( تلك هي العامرية

أما فتلك هي الاسم)

وترى االخنساء تحضر في:( عائدة إلى الفرح البكر)

( كان للقبيلة ابنتان أنت والخنساء ،الخنساء لم تعد...

وأنت: قبل كل شيءْ

وبعد كل شيءٍ:عائدة)

وفي حبه للسنين يظهر لك المتنبي حاضرا، وغيرة من الشعراء:

" الأب المتنبي العظيم بكندة

والشنفرى المتكبر كالنخل في جرحهِ

وابن ريبٍ على غربية وأنين"

وتجد العديد من تناصاته مع الشعر التراثي:

" آه يا أيها المتنبي المكين

جد علينا بختم رزين:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أنْ يكن أمانيا"

ويحضر التراث الشعبي في شعرية صِبا:

( خطوة لليمين اثنتان

وشعر يغطي التواريخ آه ،،، ودان ،ودان دانة، ودان دانة)

كل هذه السياقات المتنوعة دفعتنا للبحث عن توظيف التراث في شعره..

وقد اخترنا قراءة توظيفه لشخصية عنترة والهدهد لتنوعهما، وتماساتهما الفكرية المتحدة في الرؤى فما بين عنترة والهدهد الكثير من المعالجات المتقاربة حول العرب والعروبة.

 

1-1. عنترة :

( العبسي يحاصر الذاكرة )

وظف الشاعر محمد جبر الحربي شخصية عنترة التراثية في نصه الشعري ( العبسي يحاصر الذاكرة)1توظيفاً قناعياً متماهياً من حيث البناء واللغة والتصوير والفكرة.

إذ لا يبدو عند قراءة نص جبر السابق وضوح الاستدعاء لشخصية عنترة الشعرية رغم علنية العنوان، فتلك العلنية تغيب في مقاطع النص الشعري ولا تظهر إلا في شذرات رمزية مكثفة اتكأت على استدعاء شخصية لصيقة بعنترة هي (عبلة) التي حضرت شفرة مهمة في ثلاثة مواقع شعرية(2):

  • ( ملقى وعبلة لا تفارقني ).

  • ( والجوع وديانٌ من الحزن الحثيث.. لكن عبلة لا تفرّطُ بالحديث )

  • ( ياعبل بي جوعٌ وطرفي لم ينمْ ).

أو في أحداث لها علاقة بذات عنترة التي اشتهر بها كنبذ قومه له لسواده:

( فعلام يحتاطون من لوني!!)

وكإعارة انتمائية للقبيلة لشجاعته وخوفاً من لسانه :

( ويرعبهم لساني )

كما يوازي تغيب شخصية عنترة في النص حضور شطر شعري شهير له كخاتمة قوية واضحة صادقة .

يادار عبلة بالجواء تكلمي

وهي خاتمة تعيد الذهنية المتلقية للعتبة الأولى في المقطع الشعري الذي افتتحه بذكر عبلة:

ملقى.. وعبلة لا تفارقني لكأن رأسي خدرها

فعبلة هنا كما يحركنا النص نحوها هي بؤرة الفكرة الشعرية التي من أجلها استدعاء الشاعر شخصية عنترة التراثية ويؤكد ذلك : تركه للبيت الأول من معلقة عنترة الشهيرة: هل غادر الشعراء.. واختياره للبيت الذي يليه ترى تمازجاً مقنناً، ثم الاعتراف الصريح بعد اللفظة الأولى في نصه بملاصقة عبلة له ( وعبلة لا تفارقني).

وبهذا فإن مفتاح الدخول إلى فهم النص يبدأ من هذه الشفرات، ولا سيما تعالق البداية بالنهاية، وتعالق النص الشعري القديم ( يا دار عبلة) بالنص الشعر المنتج، وتعالق الحدث بالذات الشاعرة.

منذ البدء سيلحظ متلق نص محمد جبر الحربي العنتري انحياز لغته التوظيفية إلى اللغة الإيحائية التمازجية وهذا الفعل ( يثري تجربته الشعرية ويمنحها تحولاً وكلية وأصالة، وفي نفس الوقت يوفر لها أغنى الوسائل الغنية بالطاقات الإيحائية)1.

والإيحاء الذي يلي الإعلان عادة ما يكون مغرياً للمتلقي للبحث عن هوية الخبر المعلن فالعبسي الذي يحاصر ذاكرة الشاعر لا يظهر إلا في تشظيات رمزية لتاريخ غائب استدعى لمعالجة قضية تسكن الذاكرة الشعرية المحاصرة .

تتناظم الرؤى التي يطرحها الشاعر محمد جبر الحربي من خلال قناع عنترة في نصه العبسي تناظماً إيحائياً حيث تأتي عبلة فاتحة التوظيف كإشارة دالة ومؤثرة على فهم الرؤى والفكرة التي أراد جبر إيصالها لمتلقيه، فعبلة المرأة الفاتنة المحبوبة شخصية تلازم حضورها مع حضور عنترة الشاعر الفارس الذي اضهطد إنسانياً من قبل القبيلة لسواد لونه، فقد هوية الانتماء للوطن/ القبيلة، لأن أمه زنجية، والعرب لا تعترف بنسل العبيد، ترتب على هذا فقدان للذات ولهوية أخرى: هوية المحب الذي حُرم من محبوبته فأصبح عنترة مسلوب الانتماء للوطن/ القبيلة، مسلوب الهوية الإنسانية الفطرية في أبسط صورها في مساحات الحب.

عنترة تلك الشخصية الانتقالية التي انتقلت من اللاانتماء إلى الانتماء فيما بعد، ومن اللاهوية الإنسانية إلى الهوية الإنسانية المستقلة المعترف بها لم تجذب الشاعر ( جبر) إلا من زاوية واحدة هي عنترة ( الشاعر)، عنترة اللامنتمي إلا للشعر وللتجديد والتنوير الفكري وإن لم يكن يغفل عن عنترة المسلوب للهوية والانتماء، في جزئيات شعرية تتمازج مع الفكرة العامة (عنترة التجديدي). عنترة الذي أعلن كأول شاعر عربي فصيح

فكرة نفاذ المعاني:

هل غادر الشعراء من متردم..

إن رؤية الحربي في توظيف شخصية عنترة التراثية التاريخية تتحرك من هذه الزاوية ( أزمة الشاعر المعاصر ) ليس في نسج القصيدة فحسب، بل في شعور الشاعر المتمكن بضياع هوية الشعر، واستلاب الانتماء للفكر الشعري الخلاق، فالزمن الذي خلقت فيه القصيدة الجبرية كان زمناً شعرياً صعباً لا من حيث خلق أفكار شعرية جديدة تتجاوز أبوة أفكار الشعراء السابقين، إنما شيوع الشعراء المتشعرنين الذين انحدروا باللغة الشعرية إلى اللامعني، إلى الغموض الطلاسمي.. إلى عقر النص وانعقام المعنى.

هذه الرؤيا التي استحضر جبر من أجلها شخصية عنترة تتكامل مع استحضار شخصية عبلة المرأة/ المكان الشعري. فكل مكان لا يؤنث لا يعول عليه كما يقول ابن عربي، فعبلة هي الفضاء المكاني المؤنث الذي ينهض برمزية ( القصيدة) المعول عليها، فهي هنا كالفضاء الشعري: قصيدة منتمية للذات وغيابها هو استلاب للذات الشاعرة.

ولعل أول مقطع شعري فيه إثبات للرأي المطروح في توظيف شخصية عنترة وشخصية عبلة.

فالعبسي الذي يتجادل مع جبر الذاتية ويحاصر ذاكرته يعترف بدءا بالفضاء الفعلي

( ملقى وعبلةُ لا تفارقني لكأنّ رأسي خدرها ويدي أصابعها.. تُزيل الليلَ عن عينين واسعتين ).

يعترف بالإهمال فهو ملقى وكأن اللفظة توحي بفعل القوة الجبرية عليه وتحكم الوضع الراهن في أفعاله حيث يجد نفسه ( ملقى) بعامل خارجي داخلي ورغم فعل التحكم على الذات يبقى هناك مساحة من التحكم الذاتي فعل الفعل فهو قادر على أن يصارع من أجل البقاء مع عبلة/ القصيدة المبتكرة المجددة.

النص الشعري في توظيفه لشخصية الشاعر عنترة الذي أعلن موت المعاني

ومصارعته للحفاظ عليها وتجديدها، ومحبوبته الفاتنة التي احتوت ضياع هويته، يجسم فكرة التصارع بين الشاعر الجاد المتمكن وبين القصيدة القوية المتجددة فهو يبحث عن معاني ثورية لم تنفد ولم تستلب وهذا كله متجسد في قوله:

وعبلة لا تفارقني ...

تُزيل الليل عن عينين واسعتين

أقرأ في سوادها وأكتب – حين أكتب- دمعتين:

خدرُها وطن

وعيناها يدانْ

مدنٌ تعَلّمكَ الكتابةَ والحديث

مدنٌ تعلّمكَ الرهانَ، وكيف تخسرُ في الرهانْ

تركض من طفولتك الفقيرة

والجوعُ وديانٌ من الحزنِ الحثيثْ

لكن عبلةَ لا تفرِّطُ بالحديثْ.

إن عبلة / القصيدة ، أمام شخصية عنترة / ذات الحربي التي تبحث عن مدن شعرية حديثة وفضاءات شعرية غير مستهلكة هي مجال للتعلم والمدارسة والحديث ، فالشاعر قد يدخل مضمار النص الشعري مراهناً على معنى يولد بالفطرة الجديدة ولكنه قد يخسر هذا المولود ليبدأ من جديد كالطفل الفقير من التجربة في نسج مغامرة شعرية جديدة فيعيد صياغة أزماته . ولكن الكثير من المتشعرنين لا يأبهون بمدن التعلم والكتابة.

إن عبلة / القصيدة – النص تمر بأزمة شعرية ولهذا فعنترة/ ذات جبر الحربي تعلن في مقاطع شعرية متتالية عن جوع المعرفة الشعرية والإنتاج الشعري المتجدد، حيث يشتكي الشاعر من هذا الزمن الغامض الذي تغيب فيه اللغة والمعاني الشعرية التنويرية وتظهر المعاني واللغة الغامضة الركيكة المتشعرنة وكل هذه السياقات المحبطة للذات الشاعرة تظل القصيدة العربية الأصيلة/ عبلة هي المركاز الذي لا تفرط بجديتها ومحادثتها فكلما جاءها العاشق بعد جوع وحزن كانت تحتويه فهي قادرة كذات مستقلة أن تكون متجددة هاوية، ولهذا توجّه إليها بخطاب بث فيه تساؤلاته وغضبه وحزنه(1):

ياعبلُ بي جوعٌ وطرفي لم ينمْ.

لا السيفُ سيفي في الغبار ولا القدَمْ.

فعلام يحتاطون من لوني

ويرعبُهم لساني

وأنا السنينُ تمُرّ لم أبرحْ مكاني

وأنا القصيدة لم تَتِمْ.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ ديوان خديجة ، ص114

إن عنترة الشاعر المتجدد الذي استسلم في لحظة لإهمال سطوة الواقع الذي أظهر الكثير من متشعرنين اللغة الشعرية هاهو يستنكر نظرة الغير للغته وتنوير معانيه الشعرية في زمن الغيار تحول فيه سيف اللغة وجمالها إلى سيف تستنكره الذات .

عنترة الشخصية التراثية الباحثة عن الجديد في خلق المعاني وابتكار ماء القصيدة تجسم واقعها في فتح أبواب البحث عن أسرار غياب الماء عن الذات الشاعرة(1):

الآن نعرف سر هذا الثقب

في جسد السماء

..

قطعان قلبي دون ماء

قطعان قلبي والعصافير الصغيرة دون ماء

أسلمت ماء قصيدتي

لقوافلِ الفقرِ البطيءِ

وكان أولَها فمي

يا دارَ عبلة بالجواء تكلمي

في اللحظة الخاتمة حضر عنترة تعالق مع أزمة الواقع الشعري وعليه الضياع على هوية الشعر مطالباً عبلة/القصيدة، بالتكلم والظهور والبيان فالهوية لا تكون ولا تتكون إلا بإظهارها والتكلم عنها.

  1. عنترة – الفارس المطعون بعروبته

وطن / غائب – وفارس حاضر

يوظف الشاعر محمد جبر الحربي شخصية عنترة في موطن نصي آخر يختلف عن نصه ( عنترة يحاصر الذاكرة)، حيث يستحضرها في الكشف عن مواطن الضعف والفشل والانكسار الذي لحق بالوطن العربي، فخطاب القصيدة مُحمل بالكثير من رؤى غياب الوطن العربي، وغياب العروبة.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ ديوان خديجة ، ص116

 

هذا الاستحضار لشخصية عنترة لم يكن استحضاراً مباشراً غنائياً، إنما عبر عنه الشاعر بطريقة جديدة كسرت حدة المباشرة والخطابية حين دمج صوته مع صوت عنترة فجاءت القصيدة بصوتين متمازجين متحدين اتحاداً فنياً متكاملاً بناءً ولغة وصورة تجسمت في تشكل الصوت المركب الذي يكشف عن هوية الشخصية المستدعاة وفي نفس الوقت يظهر رؤى صوت الشاعر فلا يطغي التقنع على تغيب أحد الشخصيتين، إنما يظهر التفاعل بينهما خدمة للرؤية المبتغاة.

أن المعبر لإثبات ما أشرنا إليه يبدأ رمزياً من العنوان فالشاعر اختار لنصه عنواناً رمزياً لايعبر مباشرة عن شخصية عنترة ولا يشير إلى اسمه كما هو حال النص الأول الذي حضر اسم عنترة مباشراً وواضحاً ومحاصراً للذاكرة، إنما اختار أن يكون رمزاً لجزء مهم في الشخصية المستدعاة (الفارس المطعون بحراب الأهل)(1)، هذا العنوان مجرد من النص لا يحوي بأي حضور لشخصية عنترة ولعل هذا الفعل الاختياري للعنوان مرجعيته رغبة الشاعر في امتزاج صوته بصوت عنترة امتزاجاً تدرجياً رمزياً إذ سيلحظ المتلقى أن العنوان جسر للدخول إلى مساحة أكبر من توظيف الشخصية ، فالشاعر يخاطب في أو النص المرأة ( الحرّة العربية)، مخاطبة المتألم موظفاً نصاً شعرياً لعنترة(2):

لا تحزني ياحُرّة عربيةً

ملكت زمام منيتي

فلقد ذكرتك والرماحُ نواهلٌ

مني وبيضُ الهندِ تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت ولمْ

يحضرْ أحدْ..

هذا النص العنتري الشهير( فلقد ذكرتك والرماح نواهل) استحضره الشاعر في مطلع النص ليفتح باب الرؤيا الشعرية للمتلقى لفهم ماهية الفروسية الخاصة للشخصية المستحضرة فعنترة هنا ليس إلا الفارس العاشق المخلص الذي قاتل من أجل المرأة المحبوبة من أجل عبلة الروح. فهو وسط غبار الحرب ودماء القتل يتذكرها راغباً في تقبيل السيوف لعلائق التشبه بينهما.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ ديوان (حديث الهدهد)، دار أعراف الرياض :المملكة العربية السعودية، ط1 ، 1431ه ،ص 67

2ـ المرجع السابق، ص 67

 

ولا يتوقف التوظيف على هذه الصورة الشهيرة المألوفة إنما اتخاذها الشاعر ليُعبر بها عن رؤيته في انتقاد الوضع الراهن للعالم العربي فالمرأة الحرة هنا ( ياحرة عربية) التي ملكت زمام منيته هي الوطن العربي الحر وهو الفارس المناضل عنها الذي شعر بضعفها وحزنها، وانكسارها. ولعشقها أشعل فتيل الانتقاد إذ يحاول في نصه الشعري انطلاقاً من هذا التوظيف بث رسالته في النهوض بها ولو كان وحيداً في هذا المضمار النضالي إذ لا حظ عزوف الكثير من فوارسها وأهلها عن الدفاع عنها والسكوت عن انكسارها وضعفها:

ولم يحضر أحد

هي شمعة/ أي الوطن

أشعلتها من غيظ أحزاني، وفيض طويتي

فجراً ولم يحضر أحد..

يكرر الشاعر ( لم يحضر أحد) ستة مرات في ختام أغلب مقاطع القصيدة مبرهناً على استسلام المواطن العربي لهذا الفضل والضعف الذي تعيشه الأمة العربية(1):

لم يحفل بدعوتها، وقطف الصبح فلاحو الغنائمِ

ما استفاق النوّم الثملون من سكْرِ الهزائمِ

والكلامِ المثقل الأجفان بالأوهامِ

لمْ يحضرْ على قَلَقٍ أحدْ.

عنترة هنا الصوت البطولي النضالي المدافع المتمازج مع صوت الشاعر يظهر مُذكراً بتاريخ أمة عظيمة توقف عزفها وعزمها ولم يتوقف نزفها(2):

لا نصرٌ تيامَنَ

لا ثقاة خلص يهدون للتاريخ بيضَ رقاعِهمْ.

ما اخضرت الدنيا على إيقاعِهم.

هذا مثارُ النقْعِ:

تلك على اليمينِ مقابرُ الزمنِ الجميلِ

وتلك شهبُ قلاعِهمْ.

وهنا قلوبُ العاشقين لأمةٍ عظمى توقّفَ عزفُها

وروى الخليقةَ نزفُها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ قصيدة (الفارس المطعون بحراب الأهل) ص68، ص67

2ـ المرجع السابق،ص 68

 

الشاعر خلف قناع عنترة الفارس المطعون بأهله بأمته يحذر من الفتنة العظمى التي لحقت بالأمة(1):

هي فتنة عظمى

لصوص مارقون تمكنوا منا ومن أشياعِهمْ

شيعٌ وتجارٌ وأشباح شواحبُ من غثاءِ السيل

باعوا عرشنا

لا دودةٌ حفلتْ بمنسأةٍ

ولا إنسٌ أفاقوا

فتنة كبرى ولم يحضرْ أحدْ..

لوداعِ أحزان الظهيرةِ:

يا خديجةُ خبّري عنِي التلفّتَ والنـدى

أني أميرٌ ما أسِرتُ إذا أسِرْت من العِـدا

رِدءاً أردتُ فكان مســتنـداً رمـاديَّ الرّدى

المـوتُ في عينيه لم أبصرْهُ كنـتُ مُرَمَّدا

والموتُ في أعطافِهِ ولبسته يا للـرِّدا

أنّي الخُذِلتُ وكنت وحـدي أبْلجاً ومهـنّدا

 

ويكشف الشاعر محمد الحربي تمازج صوته مع صوت عنترة في سبيل تنوير رؤياه مستدعياً المرأة وحادثة انهيار ملك سليمان فحتى الدودة هنا في أمتنا لم تبال بآلة الزمن وعصا الملك كما هي في تاريخ حادثة الرسول سليمان ، وهي شفرة قوية للدلالة على مدى ما وصلت إليه الأمة العربية من ضعف وفشل مكنت منا ( اللصوص والمارقون والأشباح) الذين باعوا عرشنا وملكنا وهويتنا ونحن ( لا إنسٌ أفاقوا ولم يحضر أحد).

أما المرأة فخديجة هي محور التفجير الدلالي الآخر لمسايرة صوت الفارس المناضل وحيداً يوجه لها خطابه الخبري التخبيري طالباً منها إبلاغه فهو الأسير الأمير الفارس المطعون عروبة الذي حارب وحيداً في محنة ( الفتنة العظمى ) التي لحقت بالوطن العربي فلحق به الخذلان فالانفراد لا يصنع مجداً ويد الجماعة مبتورة لغياب الهم الجمعي في نصرة وطن العروبة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ قصيدة (الفارس المطعون بحراب الأهل) ،ص 68

 

مازال الشاعر جبر يتماهى مع صوت عنترة (الفارس المطعون) في رؤيته لأحداث ووقائع الحياة من خلال رؤى فتحت لباب الشمس مسجلاً بها موقف الفارس الحاضر المناضل ضد ضياع العروبة(1):

هي رؤية فُتحت لباب الشمس

من غبشِ الشواهدِ

نبتةٌ أورقتها

للريح.. للمطر الجديد أسوق لفرادة التاريخ

أحفظه لميلاد الوليد مهدهداً..

ولهذا يمكن القول بأن الشاعر جبر قد سما بالشخصية التراثية في توظيفه لشخصية عنترة وخلق لها شخصية تاريخية تراثية جديدة تعزز سماتها وسماته وترسخ لفكره مع فكرها فلم يعد (عنترة السابق نظراً لتداخل صوته مع صوت الشاعر، مماهياً لأن يكتسي بسمات معاصرة إلى جانب سماته التراثية بمعنى أن كل شخصية من الشخصيتين المؤلفتين للقناع قد أضافت إليه ملامح قريبة ومشابهة للملامح الأخرى، مما أدى إلى تكون سمات القناع التي تقترب و تتشابه بدورها مع كل من الشخصيتين دون أن تتطابق معهما تماماً).

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ ديوان حديث الهدهد، ص69

 

 

الهدهد:

 

يمتلك الشاعر محمد جبر الحربي ثقافة تراثية واسعة ومتنوعة تتبين في نصه الشعري المستدعي لشخصيات تراثية وأغاني شعبية وأساطير ولعل من أبرزها استدعاءه للهدهد.

والهدهد من الطيور البارزة التي حكيت حولها الكثير من الأساطير والأخبار والنوادر والحكايات والأمثال.

فقد أخبر الجاحظ بأن العرب كانوا يزعمون أن القنزعة التي على رأس الهدهد ثواب من الله عز وجل على ما كان من بره لأمه لما ماتت جعل قبرها في رأسه وأشار إلى شهرته كطائر ذو خطوط وألوان كثيرة وأنه يكنى ب " أبو الأخبار وأبو ثمامة وأبو سجاد" (1)، والهدهد في وصفه طير منتن الريح لأنه يبني أفحوصه في الزبل، وقد ذكر عنه الجاحظ أيضاً أنه يرى الماء في باطن الأرض كما يراه الإنسان في باطن الزجاجة، وزعموا أنه كان دليل سليمان على الماء(2).

وللهدهد دلالات كثيرة في التراث منها أنه عالم صاحب معرفة بصير مستشرف وقد فسر ابن سيرين حضوره في الحلم بقوله(3): ( الهدهد رجل بصير في عمله كاتب ناقد يتعاطى دقيق العلم).

وقد ارتبط الهدهد في المخيال العربي الإسلامي بقصة ( بلقيس ملكة سبأ) وهي قصة تجسم بعض المعاني الرمزية التي كانت متداولة عند العرب قبل الإسلام وبعد ظهوره فرمزيته القديمة وبره بوالديه لم تمح من الخطاب الإسلامي، وبها فسر بعض المفسرين نجاته من عقاب سليمان، كما أن اقترانه بالعلم والمعرفة قد تدعم من خلال بعض الأحاديث المأثورة من مثل ( أنهاكم عن قتل الهدهد فإنه كان دليل سليمان على الماء)، وهو خطاب يطوق الهدهد بهالة من القداسة بحيث يكون النيل منه محرجاً.(4)

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل : بيروت، ط1 ،1988م ، 1/297

2ـ المرجع السابق وانظر: الحيوان الكبرى، للدميري 11/101

3ـ تفسير الأحلام الكبير، دار الكتب العلمية : بيروت ، د ط ، 1985م ، ص 240

4ـ موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها : د:محمد عجينة ، دار الفارابي : بيروت ، ط1 ، 2005م، ص 327

 

وقد حضر الهدهد في فلسفة المتصوفين كما هو هدهد السهروردي في حكاية غربة الغربية قال: ( فيما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأيت الهدهد مسلماً في ليلة قمراء منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة، وقال لي: أنا أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما من سبأ بنبأ يقين...) (1).

وبكل السياقات الرمزية السابقة للهدهد فإن رمزيته ( تغتني من خلال قصة سليمان وبلقيس بدلالتين اثنتين متقابلتين وليس ذلك بالقريب عن طبيعة الرمز هما: دلالة الماء من جهة.. ومن جهة أخرى ثانية دلالة الشمس وتقترن بالملك لأنها من شاراته فضلاً عن تلك القدرة على اختراق الحجب والأسرار. أفليس الهدهد طائر بلقيس، وطائر سليمان، وصاحب تاج يعلو رأسه ) (2).

هاتان الدلالتان هما مصباح النور الذي سنقرأ في سياقاتهما نص الشاعر ( حديث الهدهد ) قد تجسّمت من خلال النص في مسارين:

مسار الاستدعاء الفلسفي /الذاتي = جبرة

ومسار الاستدعاء الرمزي = عودة الهدهد.

يعمد الشاعر محمد جبر الحربي بلغة شعرية عالية وجذابة إلى توظيف الهدهد في حديث نفسي فلسفي يُحمله الكثير من القيم الإنسانية والحياتية والفكرية وصراعات النفس الذاتية مرتكزاً في توظيفه على رمزيات الهدهد التراثية فهو دليل المعرفة والاستشراف للماء ولصراعات الحياة إذ يلحظ تقاسمات كل ذلك في نصه الشعري المكثف منذ المقطع الأول(3):

أحنُّ إلى جنةٍ لم تكن آخر الغابرات

جنان ندى

كجبال الهدا

طيلة العمر تسحبني للحجازِ

إلى خبَلٍ في الحجازِ

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ انظر حي بن يقظان: لأحمد آمين ، دار المعارف: القاهرة، 1952م، ص45، وانظر د:محمد عجينة، حفريات في الأدب والأساطير،دار المعرفة للنشر: تونس، ط1، 2006م ، ص 122

2ـ حفريات في الأدب والأساطير، د:محمد عجينة ،ص 125،124

3ـ انظر ديوان حديث الهدهد، قصيدة (جبرة) ص7

 

...

إن نص ( حديث الهدهد)، يوظف الهدهد الأسطورة الذي تشكل في المخيال العربي منذ القدم في آفاق متعددة كان منها تشكلات هدهد السهروردي في قصة ( الغربة الغريبة) والتي تجسد قصة (حي بن يقظان ) لابن سينا، فكلاهما يداويان نزعات الإنسان بين الحسية والروحية للوصول للعالم العلوي. فالغربة التي تشاركت صورة الهدهد معها هي غربة صراعية بين حقائق كونية متعددة تمركزت في فكرة الحي/ الوجود الإنساني المحسوس، واليقظان/ الوعي العقلي، وما لتلك التمركزات من وقفات وجودية حياتية فكرية تشعل الغربة داخل الذات الإنسانية الصافية، الباحثة عن الحق والحقيقة.

إن ذات جبر الشعرية هي ذات وجودية تبحث عن حقائق كونية تمزقت بين الحسية والروحية، حتمت وجود صراعات ذاتية تمثلت في إعلان غربة روحية تتكاشف مع وجود رمز شعري مهم هو الهدهد الذي يحمل دلالة الماء والماء صلب الحياة ونبضها أو المستشرف له وفي الاستشراف روح المعرفة ودليل العلم، كما أن الذات وحديثها والبحث عن المعرفة بها هو صلب الوجود الإنساني، فالماء المعرفي الذي تمدنا به رمزية الهدهد هو في حقيقته الشعرية لدى جبر الشاعر الرقيق الحس ماء الذات والنفس الروحية الشفافة التي تشظت ما بين مكونات الحياة مساراً وجادة وروحاً. ولعل عنوان النص الفرعي لحديث الهدهد( جبرة) توضح معناه من قبل الشاعر بأن جبرة ( ماء على بعد شجرٍ من الطائف، كان يزورها محفوفاً بالطفولة مشياً على العين) مبرهناً على علاقة الهدهد بالماء، وعلاقة الماء بحديث جبر الشاعر الذي يزور جبرة الماء مفضفضاً لطهره بالكثير من الحديث النفسي، وفي تلك العلاقة تشاكل من حيث أنها أصل الحياة والانفتاح والمعرفة وعيش الروح بسلام.

إن كل هذه السياقات المُبينة تظهر منذ إعلان جبر في المقطع الأول من حديث هدهده لثنائية الاغتراب والحنين حيث الاغتراب والحنين هما بؤرة حديث النفس:(1)

مغترباً لست أدري

لماذا يزلزني الوقت

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ قصيدة (جبرة) ص7،8

 أحنّ إلى جنةٍ لم تكنْ آخرَ الغابرات

جنان الذى

كجبال الهدا

..

أحنّ إليك – أحنّ إليه

ففي اعترافات الذات ما بين الشعور بالغربة وعدم الدراية بالهيئة الزمانية، وما بين الحنين لمكان تتطهر فيه الروح ( أحن إلى جنةٍ) مسافات فكرية وجودية ولفظية عميقة يعالجها الشاعر بدقة حين يختار ذاكرة الطفولة ( وطفل له العمر ) وثنائية الفتى/ الكريم والنخيل/ المخيف، ليؤكد تنازعات الوجود الإنساني في الحنين إلى المكان الغائب في الذاكرة، أو الهروب والتزلزل عن المكان الحاضر بحثاً عن هوية الغربة التي تسكن مفاصل الذات المتطهرة.

إن تلك التقسمات داخل ماء الذات الجبرية تتوحد في قصة درامية مع الهدهد سواء كانت قصة حقيقية أم خيالية إلا أنها تتكاشف في مساقات النص الشعري عن العديد من تمازجات المادة الحسية والنزعة الروحية حيث تشهد في مقاطعه الشعرية تصارع الموت مع الحياة..

فضلاً عن الماهيات المكانية والزمانية والحدث وحديث النفس اللوّامة.

يبدأ المقطع الثاني أشبه بالقصة معتمداً على دراما تصارع فيها قوى متنوعة فكان توظيف الهدهد هو المفتاح الأنجع لفتح أبواب حديث النفس ومساحات الأفكار:(1)

" أحنُّ إلى هدهدٍ عالمٍ بالحياةِ

اصطفيتُ له الموتَ عصريةً

عصرَ( جبرةَ)

والعمرُ طفلٌ ووحدي أصوّبُ برداً حديداً

على الخضرةِ البكرِ والماءِ

والهدهدُ المطمئنُّ إلى حكمةٍ

يتهادى على ماءِ حكمتِهِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ قصيدة (جبرة) ص9

 

وأصوب.. أستغفر الله

كنت صغيراً بما بي من الجهل

خلف اختباءِ المياه

وكان عظيماً بما يعِدل العالمون بصمتٍ وكان الملِك."

 

ذات/ جبرة، ذات الهدهد تعالق التذواتي:

لم يكن محمد الحربي سيوظف الهدهد كرمز للحكمة والمعرفة والعلم بالحياة ثم في وطن آخر دلالة على جهل الذات والطفولة البريئة المشاغبة ما لم يكن النص الشعري الذي يسكنه ضاغطاً على تفكيره الشعري، وساكناً في وجدانه العقلي حيث سيلحظ أنه بدأ المقطع بالحنين لأمر. والحنين مشاعر وجدانية ذاتية نابعة من ألم معين أو توق لأمر معين وحنينه هاهنا للهدهد الذي قرنه بالمعرفة والخبرة بالحياة هو نتاج لردة فعل ذاتية فبناء على حدث ( قتل الهدهد) الذي ارتكبه ذات جبر في طفولة جاهلة مضت فإن الذات النقية ضغط عليها ألم قتل العلم والحكمة المتمثلة في ذات الهدهد فكان فضاء التذوات بين الذاتين محكماً في نسيج الدراما الشعري السابق فالنص تتجاذبه كلغة أولى بارزة لغة النفس اللوامة التي تكسر كل حواجز الاعتراف لتستنفر عن فعل ارتكب من جهل .

يبدو ظاهراً في فضاء التذوات أن هناك مع غربة الذات اللوامة للشاعر صراع بين عوالم عدة في الحياة بالموت:

فالهدهد الذي اصطفى جبر له الموت، ها هو يفصل له شعرياً قصة وعي ولوم في سبيل تخلص الذات من ألم الفعل يفصل الحادثة، بسرد درامي يظهر ندمه وجهله على قتله المتعمد جهلاً.(1)

(أستغفر الله كنت صغيراً بما بي من الجهل... خلف اخنباء المياه..)

فالتصارع الذاتي بين الذوات في النص ما هو إلا وعي ذات الشاعر بذات الهدهد المغدور به، تصارع بين الحياة لأحدهما واختيار الموت للأخرى:

( أستغفر الله أني اختصرت المسافة بين الحياة وبين الممات

الهدهد المستفيق على طلقة في الضمير

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ قصيدة (جبرة) ص7،8


يخرّ على الماءِ

يلقى مهابةَ عمرٍ على الماءِ في لحظةٍ

وهو يهتفُ: ما كان عدلاً، وما كان حكماً)

إن النص السابق لا يعكس فقط تصارع الذوات في المسافة بين الموت والحياة، ولا الجهل والحكمة التي تلبست بكلتا الذاتين، بل تصارع الظلم والعدل، فالهدهد جاء في المقطع الأول في حركة ساكنة أي تحرك من خلال ذاكرة الشاعرة النادمة، وعلى لسانه، إنما في المقطع الثاني فقد وظفه في مساحات رحبة فهو يتحدث ويشتكي ويعلن تظلمه:

( ما كان عدلاً وما كان حكماً)

لا يتفاضل النص في حركة التصارع بين القوى التي ذكرت عن غربة الذات التي حالت قبل وعيها للجانب الحسي والمتعة الصبيانية العبثية الجاهلة (اللعب بقتل الطيور)، إلى غربة روحية سامية تستشف منها ندماً صادقاً وحنيناً إلى تعديل الماضي وما كان منه: (1)

( كانت أصابع من ندمٍ خلفَ روحِ الولدْ

آهِ كان الولدْ

يحاول أنْ يرجع الماءَ

والهدهدَ المتعاليَ

والأغنيات على فرَحٍ

والفراشَ إلى غيمةٍ في المساءِ

وجبرةَ

كان الولدْ

وكان الزمان جميلاً

لكم كان طفلاً جميلاً..)

لقد نجح جبر الشاعر في توظيف حادثة الهدهد، وذات الهدهد في نقل كافة الصراعات الإنسانية داخل الإنسان الشاعر المرهف جبر، استطاع من خلال نقل حادثة يمكن أن يمارسها الأطفال مع الطيور يومياً دون إحساس بالذنب – الوصول إلى قضايا إشكالية وجودية تتصارع فيها قوى عظمى، وتتناحر الأنفس بها وحولها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ قصيدة (جبرة) ص9

 

الشاعر في حادثة الهدهد لم يكتفِ بنقل الصراعات بلغة شعرية ودراما عالية وغير مباشرة، إنما عالج اللحظة الإنسانية بلحظات لغوية شفيفة فكان البناء قوياً حين ردد جملة الاستغفار تكفيراً عن ذنب لا يحاسب عليه في زمان الجهل.

يحضر المكان في ( حادثة الهدهد ) في النص مكملاً لدلالات الماء ما بين الهدهد والشاعر في فضاء التذوات إذ يذكر الشاعر في أكثر من موطن ألفاظ الماء تأكيداً على ما سبق طرحه من تعالق بين دلالات الذاتين حول الماء(1):

( والهدهد المستفيق على طلقةٍ في الضميرِ

يخرّ على الماء

يلقي مهابةَ عمرٍ على الماءِ في لحظةٍ

وهو يهْتفُ

ما كان عدلاً، وما كان حكماً

وما كان من حكمةٍ في المماتِ على طلقةٍ..

كان جمعٌ من الشجر الآدميِّ بطرفي

يغضّون طرفاً عن الهاءِ

كانت نساء من النّغم الشجريِّ الحزين

وكانت أصابع من ندم ٍ خلفَ روح الولدْ

آهِ كانَ الولدْ

يُحاول أن يُرجعَ الماءَ

والهدهدَ المتعاليَ

والأغنياتِ على فرح ٍ

والفراشَ إلى غيمةٍ في المساءِ

وجَبْرَةَ

كان الولد..

وكان الزمان جميلا ً

لكم كان طفلا ًجميلا ً

وكان بخيلا ًعلى طلقةٍ عند جَبْرَةَ)

وفي تقنية الحق لتوظيف الهدهد يبدع جبر في جلب نصٍّ مغايرٍ للنص الأول مكملاً له من حيث فضاء وتعالق التوظيف إذ يضع تحت عنوان نصه الأم ( حديث الهدهد)، ويفرض هذا العنوان مساقاً تساؤلياً حول الكيفية التي عاد بها الهدهد، وتقنية العودة ووظيفتها؟!

يستثمر الشاعر محمد جبر الحربي حادثة الهدهد التاريخية المعروفة في قصة سليمان وبلقيس استثماراً شعرياً عقد فيه حواراً واقعياً ثقافياً للحياة المعاشة ربطها بالثابت عن الهدهد على الصعيد الرمزي، فهو ذو علاقة بالماء والشمس معاً وهو في التراث العربي رسول سليمان ودليله على الماء، ويدل فيما يدل عليه أيضاً على العلم والمعرفة والهداية. ولما كانت بلقيس تلك الملكة العظيمة التي تغلبت على تُبّع عمرو ذو الأذعار وملكت مكانه ومملكته تعبد الشمس وقومها، ارتبط الهدهد في بعض الحكايات والأساطير بها وبالشمس فحملت في المخيال الجمعي رموزاً عديدة منها ما يصور من خلاله انتصار سليمان على بلقيس انتصار النبوة على الملك، أو على اجتماعهما من خلال رمزية زواج سليمان ببلقيس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ قصيدة (جبرة) ص9،8

 

 

وبكل هذه المسافات بلور الشاعر محمد الحربي في نصه وجود الهدهد في التاريخ والمخيال الجمعي بلورة لها دلالاتها المعاصرة، إذ يُرى في المقطع الأول من نصه بعد أن حكى بلغة مكثفة عودة الهدهد له بعد وفاته ودفنه إشارة دلالية افتتاحية لتوظيف حدث الهدهد التاريخي يقول الشاعر(1):

فمن أين جئت

وكيف انطلقتَ من العقلِ

قد كنت أحكمتُهُ

كنت أحكمتُ بالجهلِ دفنَكَ

من أين جئت؟

هل جئت من سبأٍ باليقين؟!

فإشارته الشعرية ( هل جئت من سبأ باليقين ) ذات علاقة مباشرة بحادثة الهدهد مع سليمان إذ تنقل الذهنية القرآنية إلى هدهد سليمان وخبره اليقين الذي جاء به من سبأ.

إن فرضية التساؤل من قبل الشاعر (هل جئت) تترك مساحة من التأويل الفكري لنوعية مجيء الهدهد وطريقة استلهامه، فهل هو مجرد سؤال؟!

لم يكن الهدهد في نص جبرة مجرد رسول وليس مجرد حدث تاريخي ممل دلالات الشمس والملك والعلم والهداية فحسب، إنما يتداخل الهدهد في نص الحربي حتى أضحى من الصعب تصنيف حضوره ، إذ تتعالق الذات الشاعرة مع تجربة حادثة الهدهد ناهضة بكثير من أبعاد رؤى النص والتي كان منها في الجزء الأول الاعتراف بوحشة العودة وتساؤلات الحيرة الداخلية للنفس المرهقة:

( كيف مرَّ الزمانُ وآن الأوانْ..

كيما تعودَ إلى وحشتى. تصطفيني بمكرٍ وتسألُ عن صحتي).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ قصيدة (عودة الهدهد)،ص11

 

 

إن وحشة العودة. عودة الهدهد بعينيه الداهمتين أثارت تساؤلات النفس/ الذات، بحمولاتها المعرفية والفكرية والحياتية إذ الواقع العربي المريض بالضعف فرض نفسه على تفكير الشاعر فهو يسأل(1):

هل أتيت به فارداً جانحيك مع الغيمِ

أمْ من عراق الخرابِ وغربانهِ

..

يا صديقي اللدود أجبني

أمن سِفر بابلِ جئت

من السحرِ أقبلت

كيف اتّسقنا

وكيف التفرّقُ في لحظةٍ عابرةْ؟

........

........

أتذكر..

في الطائف المتأرجح بين القبائل

والتركِ

والفطنة النادرةْ)

إنها تساؤلات تمزج الهم الذاتي الإنساني الأصغر بالهم الإنساني الأكبر ( ضياع العروبة والعرب)، بطريقة نصية تمازجية كان الاستحضار فيها متفنناً حد الجمال اللغوي النادر في توظيف مثل هذه الأحداث:

هل ستذكرُ كيف انتزعتك من بهجةِ الحسنِ يا صاحبي؟!

بعد هذا الاعتراف التساؤلي يلج الشاعر إلى مرحلة سياقية أعمق في توظيف رسالة الهدهد التي بدأ بها المقطع الأول من النص فهو حريص على ربط المقاطع الشعرية مع بعضها مراعاة لاستمرارية فهم القارئ للرؤى المطروحة (2):

سأخبرك الآن عن قصتي فاروِها:

أخبر الناس

أخبرْ سليمانَ أنّا

تقطّعت الأرضُ من حولنا

ومادت بنا السفن الغاديات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ قصيدة (عورة الهدهد)، ص12

2ـ (عورة الهدهد)، ص13

 

وما كان فينا يهود لكي تتشابهَ أبقارُ تلك القرى

ما اعتدينا بسبتٍ

لكي نتمزّقَ في التيهِ

سبحانهُ

كيف ضاعتْ بلادٌ تعبنا على فتح أسوارها

كيف صرنا أسارى؟

النص السابق محمل بالكثير من الدلالات الشعرية لكن مركز استدعاء الهدهد كان مكثفاً فهو يطلب منه رواية قصته وتبليغها لسليمان رمز ( النبوة)، وتجديد الدين أن الأمة العربية ضاعت وتدمرت وتقطعت فأصبحنا أمة ضعيفة بعد أن كنا قوماً لنا القوة والعزة والمكنة.

الهدهد سيحمل الرسالة الذاتية والرؤيا الواقعية للشاعر، فحضوره الرمزي جاء خدمة لنقل صورة الواقع العربي المنكسر إلى سطح النص الشعري معالجة للموقف الراهن الذي لمسه الشاعر المرهف تجاه أمته، ولذلك فالمشاهد الشعرية الرمزية تتوالى في النص لتناهض هذه الرؤيا(1):

كيف صرنا أسارى

متى يثمر الله فينا المطر؟!

سليمان مات

أتذكر ؟!

والجن مستعبد رأسهم

فكيف غدونا على الوهم مستعبدات ضمائرنا

وما من قيودٍ لتحجبَ عزتنا

نحن قوم لنا الأرضُ طاهرةٌ

والصفوفُ لنا كانتظامِ ملائكةٍ للإلهْ.

الهدهد بدلالاته المائية والشمسية حضر في نص الحربي السابق متعالقين كما أسلفت لكن المشهد الختامي منه يفعل الرؤى ويوثق العلاقة ويغلب المعتاد من تصوراتنا الذهنية حول حادثة الهدهد لتناسب رؤيته الشعرية فالهدهد في التاريخي السليماني أثمرت رسالته الهداية التي جاء بها فانتصرت النبوة على الملك/ عبادة الشمس، أمَّا هنا فإن الهدهد سيبلغ سليمان رسالة مغايرة فالملك والحكم والطغيان انتصروا على أمة النبوة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ قصيدة (عورة الهدهد)، ص14

ولهذا ختم الشاعر عودة هدهده بالحديث النفسي المأصل. حديث ذاتي يقرب من لغة السلام والبحث في ضجة انكسار الأمة العربية عن صفو الروح والحكمة الضائعة (1).

 

فأطلق خيالك يا قاتلي العذب

شد انتباهي

وإن شئت قتلي

وإن شئت عفواً

فمر علي كثراً

لتسألَ عن صحتي

أقمْ قربَ بيتي

هناك أقِمْ

واستعدْ صفوَ روحي

ومن دون قتلٍ

أعد جذوة لِلحياةِ بحكمتِكَ الباهرةْ. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ قصيدة (عودة الهدهد)، ص15

 

1 ـ ديوان ،خديجة ، مطبوعات دار الكنوز الأدبية :بيروت ، ط 2، 2004م، ص 113

2ـ المرجع السابق ، ص116،114،113