الجمعة 17 أغسطس 2018

قراءة جميلة للأستاذة الدكتورة القديرة خيرية السقاف في ديوان "جنان حنايا " للشاعر محمد جبر الحربي نشرت في صحيفة

الجزيرة اليوم في زاويتها الأجمل (لما هو آت)

 

حقيقة أصبح التوق للأدب الخلاق, والكلمة المعبرة، والفكر المحلق غاية العطاشى للكتابة الراقية، الشغوفة بقلق التعبير، والمعرفة، والروح..  منذ زمن لم تقدم لنا قرائح المبدعين ما يعيد الثقة في القصيدة تحديدا، وفي النص السردي المتجاوز ترهات ما تقدمه في الغالب المطابع, وتحديدا القريبة من فضاءاتنا..

على سبيل النموذج أخيرا، بين إهداءات نزلت في ركني الأليف، وجدتهما كالطائر يحمل بين منقاريه حبة كرز، وغصن وردة، كتابين أثيرين، نقلاني من غثاء ما يهرف به غالبية المتعاملين مع الحرف في الفضاء الإلكتروني, وما تعج به الصحف الورقية من ضجيج في الشأن العام ..بعيدا عن كل هذا، وفي وقت مقتطع لهما من كل ذلك، أخذاني بعيدا في اليومين الأخيرين إلى فضاءات القصة، والشعر..

أولهما، «جنان حنايا» من خميلة روح شاعر جميل لا يزال يدق على وتر الرحمة بالحرف، وبالإبداع.. محمد جبر الحربي، الصوت الذي لا يزال شجيا ..، والشعر الذي لا يزال ثريا..


حل ضيفي مبعوثه (جنان حنايا).., وما أخضرها من جنان، وأعمرها من حنايا:

«ماذا لو يصرخن على الأبواب؟!

وماذا لو يطلبن هواء عوض الذهب البارد

والشمس اللاهثة؟!

وماذا لو يغمرهن الفيضُ جنانَ حنايا؟!

ماذا لو يتدلى شجرٌ
أو يتجلى مطرٌ؟!

ماذا لو يتظللن بما في أيديهن من الحنَّاء؟!

قد يجد الرجلُ الجنةَ دانيةً

قد تجد النسوةُ معنى النسوةِ

والساعات المهملة

ومبنىً...

في الأفعال وفي الأسماء..»

هؤلاء نسوة مخيلة الحربي محمد جبر.. ولسوف تمنحهن اللغة ما في حروفها وأسمائها من المعنى، وما تحويه من المبنى، ولسوف يتدلى شجر, وتهطل مطر..

وتنبت أحلام، وتعرِّش آمال.. وتنبت أقدام، وتمشي..

فالقافلة معمرة بأطاييب الجنة..

فـ(كل حين وأنت بخير)، طالما الشعر بين يديك في خير..

ذلك ما أوعز إليه نبض الديوان، بمثل ما تنبض القصيدة بك في كل مكان تدفعها للضوء،..

ولقد أضْفت القصائد إليَّ حسا عميقا من حنايا الشاعر، وأفاضت..

كذلك رسوم «تغريد البقشي» برفقة النصوص فاضت بمكنون تلك الحنايا،..

وتغريد البقشي، هي الفنانة التشكيلية التي وقفتُ قبلا على كثير من تفاصيل ريشتها الجميلة.., وحركة مسيرة ألوانها، بأبعادها، فوجدتك يا «محمد جبر الحربي» قد أتقنت التقاط الجمال من مكمنه ليليق بجنان غرسك..

ذهبتُ متأملة، منتشية مع كل انحناءة وجه خرج من حنايا الدلالة في القصيدة ، لسحنة المعنى على التقاطيع والإيماءات..، في كل التفاتة لمحة لون، في وجوه عبرت بها عن مقاصد الجنان، في الحنايا المفضية..

نصوص موسومة بصاحبها، بصمة لبصمته, صوت لا نغفله..، ولون جميل حين يسرد لمبدعينا تأريخنا وتوثيقنا..

كنت عزيزي محمد جبر أتوق لقصيدة كما التي هي قصائدك..

وقد شكونا القحط، والعطش.. لا تروينا سحابات عابرة، بزخات خفيفة موغلة في مرواغة الجفاف..

فاجعل غيماتك هطالة مدرارة..، دائمة وافية.. ليعاود غيث الشعر البديع أوبته..

فيا غاية الشعر أخاطبك بصوته:

« زمانٌ مرٌّ..

زمان مرَّ ما فتَّ

وما جئتِ

ولا قمتِ..

كرفعة روحي العليا..

***

لكِ الله التي في أعيني شمسي

وعليائي

وإن أدنُ

فغاياتي

جمالٌ من حراكِ الضوء..

وماءٌ من رحيق النوء

وصبحٌ ما له أول

كصبحكِ يا صباح الخير يا أمي»..

فلله درك يا حربي تنطقُ بصوت نُطقي..

لنستلهم ديمومة الإبداع معا..

ابتهجت بديوانك، فشكري للإهداء وللإبداع..