الجمعة 17 أغسطس 2018

رسائلُ الياسمين (2) هنا الرياض

مرحباً يا رياض الخير، ها أنا أفي بوعدي وأكتبُ لك كما وعدتُك فجرَ سبتٍ، وقد علمتنا عبر البيت، وعبر الدرس، قيمة الوعد والعهد والبكور، وأنا أشعر أني من القلة الذين يكتبون مع الضوء الأول وفنجان القهوة الأول الذي تعمله بيدك واقفاً تقديراً لفرادة وتاريخ البنّ وجمال عطاياه، ثم تأخذه إلى معتكفك مبتهجاً كونك من الندرة الذين يعتمدون على أنفسهم، ويستمتعون بحوار البنّ والماء، والفكر والحروف والبياض، والعالم اليوم بساسته ورجال دينه ومفكريه ومثقفيه بحاجة إلى مثل هذا البن وهذا الحوار وهذا التأمل ليصحو من سباته العميق ويعالج آثار ما أفسده المفسدون، وما دمره الظالمون الشرهون من بنيانٍ وطبيعة، وما أهلكه الباغون من بشر وكائنات، وما أشعلوا من حروبٍ وفتنٍ عرقيةٍ وطائفيّة، وما هجّروا من ملايين الآمنين، وما اغتصبوا واحتلوا واعتدوا عليه من أوطان، وما أطفؤوا من مشاعل معرفةٍ ومدنٍ وحضارات، وما أفرزوه من عصاباتٍ مسلحةٍ وإرهاب.

فالسلامُ السلامُ عليك يا آمن الديار، وحماك رحمنٌ رحيمٌ مما يكيدون ليل نهار.

وستسأليني وأنت تشديني من يدي، كما تفعلين عندما تلحّين عن هديتك، وسأخبرك فلا تستعجلي كأهلِ هذه الأيام فأنا رجلٌ بطيءٌ يحبّ أنْ يتملّى ويقرأَ أمام الجمال.

هديتك يا سيدتي مجلةٌ جديدةٌ عنك، نعم عنكِ يا جميلة، يا صاحبةَ العمر والرحلة.

فمن غير المعقولِ ومن غير اللائقِ أن لا يكون لعاصمةٍ بهيّةٍ مثلك مجلّة تشبهها كصورة المرأةِ في مرآتها.

ومجلتك باسمكِ لأننا نعتزّ باسمك، وقد اخترتُ لها اسماً بسيطاً عميقاً يدلُّ عليكِ وعليها: هنا الرياض. وقد حملتُ مشروعكِ هذا لسنين أطرقُ به أبواب جهاتٍ وأفرادٍ لكن معظمهم كانوا ممن يأخذون منك ولا يعطون، ويستكثرون عليك ثوباً وحليةً وأنت أغنيتِهم وفتحتِ لهم أبوابكِ وكنوزك.

ولكن لا ضير، ففي أهلك كذلك ممن يكنون لك الحبَّ الكبيرَ خيرٌ كثير، وها قد تحقق الحلم أخيراً بفضل أفاضلَ دعموا مجلتكِ مادياً ومعنوياً، وشبابٍ وشاباتٍ كالورد دعموها صحفياً وفنياً وإدارياً، وكم كانت تمرّ عليهم الأشهر دون أن يطالبوا أو يتململوا أو يتأففوا، وأساتذةٍ وكتابٍ دعموها بموادٍ تحريرية، واستشارات وتوجيهاتٍ فنية وإدارية دون مقابل، وهكذا ستطلعُ مجلتك وترى النور بفضل الله ثم بفضل جهودهم ودعمهم في الربيع كزهور الرياض، وفي ربيع الأول تحديداً 1436 إن شاء الله تعالى، ومن منا لا يعرف ربيع الرياض وسحره ومنحه الملوّنة العطِرة، وكنا أردنا إصدارها مطلع السنة الهجرية، لكننا لم نتمكن من ذلك لأننا أردنا مجلةً عالية مثمرة كنخيلك، فلم يسعفنا الوقت ولا الظرف، ولكننا وفقنا لما هو خير في النهاية، وكلّ ما يهبنا الله خير.

والآن يا قلب المملكة وفخرها، أسعيدةٌ أنتِ بهديتك ومجلتك التي ستتفاخرين بها بين قريناتك من العواصم؟!

أعرفُ أنك تخجلين من أسئلةٍ كهذه، فلا بأس، لا تجيبي، فأنا أشعر بسعادتك دائماً حين يحمرّ خداك مع كل هديةٍ أو مديح.

أتعرفين وأنا أنظر إليك الساعةَ ما تشبهين؟!

تشبهين هذا الذي كتبته بين يديك ونخلك وطيورك يا حبيبة النخل والورد والخزامى والطيور:

« هي طفلةٌ

أوْ قلتُ أنثى من عطورْ.

هي لهفة البلور

تأتي كانتشاءِ قصيدةٍ وطيورْ.

والضوءُ يطلبُ راحةً

والضوءُ يقفزُ كالفراشِ أمامها ويدورْ.»

هي مثل هذه الأجواء والألوان مجلتك يا سيدتي، فهي زاهيةٌ كفراشةٍ، وهي تجيد الطيران فلها أجنحة معارف، وهي متجذّرةٌ سامقة ففيها كل ما فيك من تراثٍ وجِدة، ومن إعمارٍ وتنمية، ومن طبيعةٍ وكائناتٍ وكنوز.

فنحنُ لم ننحز للبنيان على حسابِ الإنسان فيك، بل ركّزنا عليه وعلى لغته، وثقافته، وإبداعه، وأزيائه، وطعامه، ومنتجاته، وكذلك ركزنا على العقول الجميلة التي وهبتكِ جمالها.

ونحن أيضاً لم ننحز للقطاع العام على حساب القطاع الخاص، والعكس صحيح.

ونحن وهذا مهمٌّ يا حبيبة أهلك، لم نسرف في مدحك كما يفعل المداحون، ولكننا صورناك كما أنت، فأنت جميلةٌ كما أنتِ بدون مساحيق، فحسنك عريقٌ أصيلٌ وإنْ كنت متحضرةً، فهو بدويُّ الملامحِ، ريفيّها، غيرُ مجلوبٍ كما يقول المتنبي.

الهدية المشروعُ يا مدينتي هو مشروعٌ وطنيٌّ، فأنت لست الرياض المدينةُ فحسب، بل أنت وجه المملكة الحضاري، ونحن عندما نرسمُ ملامحكِ فنحنُ نرسمُ ملامحَ وطنٍ كبيرٍ كريمٍ فاعلٍ مؤثرٍ عربياً وعالمياً:

وأنا عندما أنشرُ رسالتكِ فهذا لأنه لا أسرار فيها، ونحن ليس لدينا أسرارٌ نخبئها لأننا واضحون كظهيرتك، ولأنني أحب أن يعرفك الناس ويحبوك كما أفعل، وأنا أنشرها ليساهم معي أصحابُ القلمِ والفكر والتخصص، وأصحاب الشأن، في دعم مجلتك ومشروعك، وليشاركونا في تقديم الثمارِ التي نقطفها من أشجارك، ومن قبلُ ليشاركونا في ريّها والعنايةِ بها.

فهنيئاً لك يا رياضي فهذا الحرف من الدرِّ لك، وهذا الحبّ من القلبِ لك، وهذا العقد من خزاماكِ لك.. وأنا كلّي لك.

وفي الختامِ اعذريني إنْ أنا أطلتُ عليك، أو أخجلتك بكلامي الذي ركّز على حسنكِ وجمال عينيك، فهذا العطرُ يفوحُ منكِ ليعودَ إليك، وأنا أحبّ ذكرَ أوطاني وأهلي كلّ حينٍ بكلّ خير، ولا أملّ من ذلك أبداً ما حييت، لأنها نعم الأوطان، ولأنهم أطيب وأكرم وأجمل أهل، ولأن فخري واعتزازي أنْ أقولَ إنني من هنا، وهنا الشرقُ والغرب والشِّمال والجنوب، وهنا الرياض، وهنا مكة المكرمة، وهنا المدينةُ المنورة، هنا: المملكة العربية السعودية:

يَا ذَا الفَتَى الحَانِي عَلى سَرَواتِنَا

والمُقْبِلُ الجَانِي لكَرْمِ المُنْحَنَى

والأحْمَرُ القَانِي بِأوْرِدَةِ الصِّبَا

أشْعَلتَ جَذوَتَنا وعُـدْتَ مُحَصَّنَا

فالأرْضُ أرضُكَ مَا ركَضْتَ مُغَالِباً

والأرْضُ حُضْنُكَ إنْ عَرَضْتَ مُهادِنَا

واللهُ قدْ أعْلاكَ صَوْتَ حَقيقةٍ..

فَاصْدَحْ وَصِحْ بِالنَّاسِ أنَّكَ مِنْ هُنَا.