الإثنين 15 أكتوير 2018

 

إسكانٌ يُعلّمُ الطيران!!

قال صاحبي وهو رجلٌ راشدٌ، إلا أنه يمرُّ مؤخراً بحالات هيستيرية، يتخيلُ فيها أنّ له جناحين، فتجتاحهُ رغبةٌ شديدةٌ في الطيران والتحليق: ينبغي محاسبة المسؤولين عن مشروع الإسكان في وزارة الإسكان بتهمةِ إثارة سخط المواطنين المخلصين المحبين لوطنهم عليه!!

قلت له عهدتك عاقلاً، فعدْ إلى الأرض، ما بك، أجننت، هذا كلامٌ خطير؟!

قال لا لن أعود، وهذه ليست حالة من حالات التحليق التي تصيبني، ويرى طبيبي أنّ سببها إدماني على مشاهدة أفلام الكرتون والخيال العلمي، لكنّ ما يحدث يشعرني برغبة في عدم ملامسة الأرض، بل يحثني على مغادرتها إلى كوكبٍ آخر!!

هذه الكلمات مثل " أرض" ترعبني وتصيبني برعشة وحكّة وغثيان ودوار، لذلك تراني أقفز كي لا ألامسَ الأرضَ كلما سمعتها، حتى أنني بتّ أفضل الأماكن العالية كالأبراج والأشجار.

خذ مثلاً كلمة " عقار "، باتت كلمةٌ مؤلمة لا أطيق سماعها إنْ لم تكن تعني علاجاً أو دواء!! ومما يقلقني ويرفعني عن الأرض أيضاً كلمة " بيت " فأنا لا أستسيغها مطلقاً إلا شعرياً، وأنا لعلمك أصبحتُ أفضل أعجاز الأبيات على صدورها، لأن الصدر يوحي بالمجلس، والمجلس يدلّ على البيت، فأطير رغماً عني!!

وكذلك " مَنزِل" لا أعترف بها إلا بضمةٍ على ميمها وعندها أشعر بالأمن كما في القرآن الكريم.

أما كلمة " سَكَن " وتفريعاتها فلا أحبها البتّة إلا عندما ترد في القرآن الكريم: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها) فيطيب جرحي.

وأنا عندما ترد كلمة " مَسْكَن " أنطقها بضم الميم وتشديد الكاف فيخفُّ، بل يزولُ تماماً ألمي.

وأصدقك القول يا صاحبي، وأنت تعلم حبي الشديد لزياد الرحباني، إلا أنني لا أطيق لحنه للطيفة رغم جماله " أمّنْ لي بيت مطرح منّك ساكن"، وكذلك رغم حبي الجمّ لصوت عبد المجيد عبد الله فإنني استأتُ منه فقاطعتهُ عندما غنّى " يا ساكن في قلبي وينْ إيجار السّكن"!!

قلت له يا صاحبي ألهذا الحدّ أنت مصابٌ بالإسكان، ومستاءٌ من مماطلاتهم، وتسويفهم، وتحايلهم لكسب الوقت، وتغييرهم الدائم لخططهم، رغم ميزانيتهم الضخمة المذهلة، ألا يعجبك إشعارهم " خفيف الظلّ" سنشعركم لاحقاً؟!

اتّكلْ على الله، هانت، فقد مضتْ خمسٌ عجافٌ، سيعقبهنّ خمسٌ سمانٌ بحول الله فيها تسكنون، فابتسمَ، وهو لا يفعل ذلك مؤخراً، وطلب كوب ماء، لكنني عدت بالماء ولم أجده في مجلسه، فتلفتّ فوجدته يلوّح لي من أعلى شجرةٍ في الحديقة صائحاً: يا محمد تعال، لا حاجة للخدمات هنا، لا ماء ولا كهرباء، لا أرض، الجوّ جميلٌ، والسماء مضيئةٌ بالنجوم!!