الجمعة 17 أغسطس 2018

 

الرّاءُ المُرهَفة (3)

وأنا لا أقول عن الراء إنها غير مستقرة بالمعنى السلبي، لكنها دائمة الحركة، وهي تقول إن سبب ذلك قناعتها بأن في الحركةِ بركة، ولكنها لمجاراتي قالت لي هات ما عندك يا ابن جبر، فقلت لها لا يفتى في الراء والراء في المدينة، ولكن هاك لعينيك بعض أشجارها وعصافيرها الساحرة:

إن الراء يا سيدتي في الرب الرحمن الرحيم، وهي في القرآن الكريم، وفي الرسالات والرسل، وفي القدَر خيره وشره، وفي الروح التي سرها عند ربي، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً} 85 الإسراء. ونجدها في سور الفجر والعصر والقمر والطلاق والملك والمدثر.

 

والراءُ في البرد والحر، وفي الزهر والجمر، وفي الربيع والخريف، وهم من جهلهم وضعف بصرهم وبصيرتهم سموا الخريف ربيعاً في هذه الثورات التي مزقت الديار، وطغى عليها الإرهاب والأشرار.

وهي في البر والبحر، وفي الكر والفر، وفي اليسر والعسر: (إن مع العسر يسراً)، وفي الشفع والوتر، وفي السر والجهر:

ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمرُ

ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهرُ

وفي الحرية والأسر، ما فهمنا الأولى وما قدرناها، ولم نحارب من أجلها، وهي لا تمنح، فوقعنا أسرى أعدائنا، وأسرى عاداتنا!!

وهي في الرحلة والسفر والحياة رحلةٌ وسفر، وفي الشهور والدهر، وفي الصحاري والأنهار. وهي في الزرع والشجر، ومن إعجازه سبحانه (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) 80 يس. وهي في الجذر والثمر، ونحن أمام ظاهرة غريبة هذه الأيام تتمثل في قطع وحرق الأشجار ممن يدعون أنهم ثوار حق وإعمار!!

والراء في العربية والعرب، الذين أكرمهم الله ورفع قدرهم بالقرآن الكريم، وبرسوله خير البرية محمد العربي الأمين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) النحل 103. وفي سورة الرعد (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ} 37. ألا ليت عرب اليوم يعلمون.

والراء في الفكر والتاريخ والحضارة، ونحن أصحاب فكر وتاريخ وحضارة، ولكننا تخلفنا عن الركب، وإن سألتني عن سر تخلفنا فهو أننا ما عدنا نقرأ، وأن الرجل المريض فرض علينا قراءة ما لا يثمر، ونحن إن قرأنا لا نتدبر، ولا نتعظ من عبَر التاريخ، ومن تجارب الأمم، لا نراكم ولا نستمر، فكل قادمٍ مغرورٌ بمرضه الذي يراه صحةً، فينسف ما مضى ويبدأ من جديد، حتى صرنا غرباء على التراث، وغرباء في الحاضر، تجاوزنا البشر، «وعشنا أبد الدهر بين الحفر»، وعلى ذكر النسف فهم وأعني ثوريي الغفلة ينسفون كل شيءٍ، ويدمرون المطارات والمدارس، والبنى التحتية، الماء والكهرباء والطرقات، لا تسلم من تدميرهم المزارع ولا المقابر، كأنها ليست لهم، كأنها ديار كفرة اليهود التي يخربون!!

قالت بوركت محمد، يغلفك الحزن وأنت تواقٌ للفرح، ويقتاتك الهم والكدر وأنت ابن المطر، فانتفض وابدأ التغيير منك، ولا تكترث إن حاربك جاهلٌ، ولا تجعل الحجارة في الطريق تعطل مسيرتك.

لكن ماذا عن الشعر يا شاعر، قلت لها لستُ بشاعرٍ كما يريد الشعر، ولكنني محبٌّ للشعر والنثر، أحب العربية والعرب، وأحاول نثر الزهور على طرقاتهم، وغرس الحب ونشر الجمال، أحفظه أكثر مما أكتبه، قالت فأطربني، قلت لها هل سمعت في خيمة الأربعين لعبد الرزاق عبد الواحد، ورأيي أنها سترضي غروركِ أيتها الآسرة:

مضى ما مضى منكَ خيراً وشرّ

وظل الذي ظل طيّ القدَرْ

وأنت على كلّ ما يزدهيك

كثيرُ التشكي، كثيرُ الضجرْ

كأنكَ في خيمةِ الأربعين

تٌخلعُ اوتادها للسًفرْ

وتجمع للدرب زادُ المقلّ

كفاف المنى، وطويل السهرْ

على أن في قلبك المستفزّ

جناحاً يغالبُ أنْ يُؤتسَرْ

وفيك وإنْ لمْ تفهْ صيحةٌ

يطولُ مداها ولا يُختصرْ

مضى ما مضى منك والقادمات

تضيءُ قناديلها للكبَرْ

رويدا تُثقلُ تلك الخطى

وتثلمُ شِرّةَ ذاك البصرْ

وشيئاً فشيئاً تحولُ الحياة

شريطاً بدأناهُ عند الصغرْ

وشيئاً فشيئاً رأيتها تغمض عينيها وهي تتمتم بوركتما، بوركتما يا أبناء المطرِ والخيرِ والشعر!!

 


*بريشة الرسام الفلسطيني إسماعيل شموط