الإثنين 15 أكتوير 2018

 

رسائل الياسمين إلى جميلةِ عقلٍ وروح (2)

«لا يعرفُ الحبُّ الكتابةَ

لا القراءةَ

لا اليسارَ

ولا اليمينْ.

الحبُّ من شجرٍ يصلّي

يستغيثُ ويستعينْ.

والماءُ سرّ العارفينْ.

والغيمُ منكِ..

ومن تنهّدِ سائلينْ»*

 

إذاً هو الحبّ يا سيدتي، هذا الغائبُ عن حياتنا وعن خطابنا، عن أسرنا وعن ذواتنا. نعم هو الحبّ الذي والله ما كان ثمرةً إلا وكان الإيمان شجرته العظيمة. وأنا لا أعلم، ولا أستطيع أن أستوعب لماذا هجره الناس، فلا نراه في تعاملاتنا، لا في إعلامنا ولا في بيوتنا وطرقاتنا.

مؤلمٌ أن نعيش في مجتمعاتنا وأوطاننا بلا حب، بلا بسمةٍ، وبلا رحمة، ونبينا محمد العربيّ الأمين صلوات الله وسلامه عليه نبي الرحمة!!

أين ذهبت تبسمك في وجه أخيك صدقة؟! كيف خرجت من وعينا وفعلِنا وحل محلها الوجوه والعلاقات، وانتهازية المصالح التجارية السريعة؟!

ألذلك يسهل انهيار الأوطان، ألذلك تكر كحبات السبحة مع أول هزةٍ، أو كارثة؟ هل أنسجتها باليةٌ إلى هذا الحد، وأين ذهب البنيان المرصوص؟!

ستقولين يكفيك أنك تدعو للحب في عالمٍ يدعو للكراهية والحقد ويتمثلهما، وتقولين يكفيك أنك تدعو للتراحم في عالم سنته الحروب والقتل وحياكة الفتن والاضطرابات، وأقول لك نعم، فأنا أؤمن أن التغيير يبدأ من الذات لا من الجماعات، ولكنني لم آت بشيءٍ من عندي، فقد تشربت كل ذلك من ديني، ورسالة نبيي، من رسالات الأنبياء إبراهيم وموسى وعيسى وسائر الأنبياء وقصصهم، من تراثنا ومن حديثنا، من أساتذتي، ومن والدي وأختي وأهلي، من بعض أقراني، ومن أحبابي وأصحابي، ومن جيلٍ جديدٍ مبدعٍ محب، وجد نفسه في الإبداع والحب، وإن لم يجد فرصته كاملةً كما يشتهي، لكنه سيجدها بإيمانه وإصراره، لأنه ببساطةٍ يفهم معنى الحضارة والرقي، ومعنى المساهمة في رفعة الأمة، فيتفرد رغم محاولاتهم للتحكم فيه عن بعد.

وتعلمتها منك أيتها الجميلة في البلاد، من عقلك الجميل وأخلاقك النبيلة، وإن كنت لا تشعرين. لذلك أحبكِ كما أنت، وأحب فيك الحبّ والكتابة.

وأنا رغم السواد المحيط رفيقٌ للصباح والأمل، أردد كل يومٍ ولا أملّ: ما أجمل أن يكون الإنسان لسانَ حقٍّ وصدقٍ وخيرٍ وحبٍّ وجمال، ما أجمل أن يكون جميلاً نظيفاً، لا تقطر دماء أهله من يديه، ولا من كلماته، لأنه على إيمانٍ وجمالٍ لا يحارب أهله، ولا يغتال أوطانه، لأنه لا يقتل الأشجار، ولا يمحو الظلال، ولا يؤذي الكائنات.

نعم فالكلمة رسالةٌ وأمانةٌ لو يعلمون.

والكلمة رصاصة تقتل وتغتال.

ونحن في هذه الأيام العصيبة لا نراها تؤدي أمانتها كما ينبغي.

ولا نراها موجهةً إلى صدور الأعداءِ كما يفترض!!

بل نراها سادرةً في الغَيّ، قاتلةً للأهل والأوطان. كلماتٌ أشبه بالطائرات الحديدية التي تنشر الدمار والخراب في ثوان معدودة. توجه عن بعد، وتقتل عن بعدٍ أيضا، لكنها تأتي من قرب، تأتي من الأهل والأقرباء والإخوة الأعداء.

فتشي صحف اليوم وفتشي صحف البارحة، وما أشبه الليلة بالبارحة، واستمعي إلى فضاء المفردات، ستجدين أن الأطفال يشتمون ويلعنون، والكبار يشتمون ويلعنون، الأميّ يلعن والأكاديمي يلعن، حتى المرأة صاحبة الرقة المفترضةِ تشتم وتلعن؟

فهل أتوا بهذا السيل من البلاء من عندهم، أم تلقفوه ممن لا يخافون الله في أهلهم وأوطانهم؟!

كم يطولُ الحديثُ إليك أيتها الحرة، فكثيرةٌ هي الأسئلةُ، وشحيحةٌ هي الإجابات، أو هي موجودةٌ لكن العالم لا يريد سماعها، ولكن لنتركهم ونتركها لرسالةٍ قادمة، وبوحٍ جديد:

« أغفلتُ شيئاً، يا لفوضاك الأنيقةِ،

سوف أدعو أصدقائي للغناءْ

لا تغلقي حسْنَ النوايا

لا الهوامشَ

لا المتونْ.

شرفتي مفتوحةٌ

تستقبل الناجين من مدّ العصور.

والغائبين أراهمُ

في الضوءِ أولَ من حضَرْ.

بالحبّ ترتفعُ الرؤوسْ..

للحبّ ترتفعُ الرؤوسْ.**

***

*من قصيدة الحب/ ديوان طفولة قلب للشاعر صاحب المقال.

** من قصيدة صُوَر/ ديوان طفولة قلب.