الجمعة 17 أغسطس 2018

 

 

 

يا أيّها العاشقون!!

 

يهتم بعض الأدباء والكتاب بلغتهم العربية المبينة، التي هي لسانهم وهويتهم ومصدر فخرهم وتباهيهم، وهم عارفون مجيدون لا يلحنون، ولكنهم يقربونها للأرض ولا يطلقونها كأسراب حمام في السماء لتظل محلقة آسرة.. بل هم يأسرونها، إنْ لم يكبلوها تكبيلاً، ويشدوا وثاقها بإحكام إمعاناً منهم في الإجادة التي يظنون أنها لا تتأتى إلا بذلك.

 

وهم يتعاملون معها كأداة مجردة كما يفعل الحرفيون، أو كمادة لغوية صرفة كما يفعل النحويون، فتغدو على أيديهم جامدة جافة بلا روح ولا أجنحة، رغم أهمية عمل النحاة وجهدهم الخلّاق.

 

واللغة كائنٌ حيٌّ تموت إنْ لم تَضخ الدماءَ فيها العقولُ، وتختنق إن مُنع عنها الهواء العليل، وتكتئبُ إنْ لم تُلوّن بالخيال والجمال.

اللغة الحية هي تلك التي تمتثِل كالصلصال، وتمتصّ رحيق الألوان كاللوحة البيضاء، وتتثنى وتتمايل كالأغصان فيتمايل معها القارئ انتشاء وعرفاناً وهياما، وتتفتح مخيلته على فضاءات قزحيةّ باهرة، وتزدهي عيناه بلوحات اللغة الآسرة لا الأسيرة.

وهل يهبُ الحريةً أسيرٌ؟! وهل يدلّ على الطريق ضرير؟!

واللغة قصة عشق أسطورية: عاشقٌ صب، ومليحةٌ متمنّعةٌ مانحة.

واللغة مطرٌ لا على الآكام بل على مشرق الذاكرة.

اللغةُ شجرٌ، واللغة ثمرٌ، واللغة ظلال، واللغة قبل كل ذلك أنهرٌ وحقولٌ وفضاءات.

واللغة هوية فمن يرتضي أن تكون هويته صدئة متحجرة، مكرورة منفرة؟!

واللغة هواء.. لكنها لا تهُبّ علينا كريح شتائية نتدارى من عصفها، بل تهَبُ رئتينا وحواسنا شعور الامتلاء والاكتفاء والغبطة الناعمة.

واللغة ماء فرات يتشكل بانسيابية معجزة، ويروي الوجدان قبل العروق.

واللغة عالية مهما تباسطت، ومتواضعة دانيةٌ مهما تعالت.

وهي مهيبة مهما خفضت جناح الرحمة، وودودة ليّنة طيّعة مهما كانت فخمة ضخمة.

لله ما أجملها لغة، وما أعظمها، وما أرحب صدرها، وما أجمل حضنها الدافيء، وما أطيب رضابها، حديثها، وخطابها. وما ألطف قوامها، وما أرق تفاصيلها وأناملها وتلويحة حنائها.

وقد وهبني هذه الكلمات أحد العارفين مرة فقال: لو استزدنا من المضاف والمضاف إليه، واستغنينا أكثر عن أدوات التشبيه لجادت علينا الحبيبة بجديدٍ لا تكرار يشوبه، وخيالٍ طائرٍ فتّان، وهو مصيب، ومع ذلك فالتشبيه قمةٌ ما تفرّد في عربيتنا.

  

وأنا أستغرب ممن يداومون على القرآن الكريم، ولا تحلق لغتهم بالجمال، كأنْ لم يمرّوا مرور المتأني على آية النور مثلاً، أو سورة الرحمن أو الجن، وكل القرآن إعجاز وبيانٌ هو السحر الحلال، والماء الزلال.

 

أقول هذا لأنني تلفّتُ فوجدتُ أن لغة بعض الكتاب قوية ولكنها قدّت من صخر، ولغة بعضهم معين، وسلسبيل، وتسنيم.. وأنّ لغة المهتمين بالبناء أو الشكل هي بالفعل بناءٌ معماريٌّ لكنه من الحديد البارد، وأن لغة بعضهم خشبٌ دافئٌ محفورٌ بحروف الدهشة، ملوّنٌ بما تَزّين به الأرضُ من كل زوجٍ بهيج.. كما أن لغةَ بعض حافري المعرفة أرض كداء، سنواتها عجاف، بينما يفترض أن تكون لغة الحفر الثقافي سهول قمح سنابلها خضر لا يابسات.

فيا أيها العاشقون: ها هي حبيبتكم تنادي قلوبكم وعقولكم وخيالكم وألوانكم قبل معاجمكم والمتون!!