الأحد 19 مايو 2019

نصوص

 

نسيتُ الصبا والشباب

 

وأدركتُ أنّ الصوابَ التّملّي

 

يريدون قتل الحياة

 

يريدون قتلي

 

وها إنني صامدٌ كالجبالْ

 

جارفٌ كالمياه

 

رقيقٌ كما السلسبيل

 

أقبّلُ إنْ رحتُ أو جئتُ أهلي

 

أنا لا أجيب على الشائعات

 

فمنْ قال؟!

 

قلْ لي!!

 

أنا ابن الحياة

 

ولي صاحبٌ

 

ربما امرأة من ينابيعَ

 

من أحرفٍ عالياتٍ

 

فأدعو أخِلّي

 

شِمالٌ جنوب

 

جنوبٌ شِمالْ

 

لنا المسك والبرتقالْ

 

إذا غبتّ عني

 

فمنْ لي ؟!

 

ولو حاولوا قتلك الآن يا صاحبي

 

حلّ قتلي

 

سأفديك يا أجمل العارفين

 

يا سيداً يا بهيجاً

 

سيفديك كلّي

 

وقد قال آخرهم في الخطاب

 

وأزعم أني رأيت الجواب

 

لعلّ له جانباً في صواب الحقيقة

 

قلت لعلّي!

 

لها شفةً لا تطيق الغياب

 

أيا عنباً لا يطيق التدلّي

 

أنا شاعرٌ قسما بالإله

 

أجيرُ الجمال

 

فمن تابعٌ في الظهيرة ظلّي

 

أنا شاعرٌ وفريدٌ

 

أنا الشاعر المتجلّي

 

يقولون مات

 

أقول تعالوا

 

إلى الموت نقضي الحياة سويّا

 

ونعرفُ من سوف يمضي بهيّا

 

أناديك أنت النديّ

 

أيا سيّداً وحبيباً

 

فكنْ لي.

 في ذكرى سيدة الخير والحب سارة أسكنها الله رحمتَه، والدة الشاعرة خديجة يوسف العمْري

 

 

 

سحابٌ على مغربِ المقبرة

أيا سارةَ الخيرِ يا طاهرة

سحابٌ ثقالٌ نأى برقها

وغيمٌ بعينٍ على السّاهرة

تموتُ القلوبُ وأشجارها

وتحيا وتثمرُ في الذاكرة

كتطواف طيرٍ بلا موطنٍ

تحنّ لأيامها الغابرة

وتبغي شِمالاً ولا حيلةٌ

وقد باتت القِبلة الحافرة

أنسعى حثيثاً نمدّ الخطى

وفي الموت خطوتنا العاثرة؟

فيا قابل التوْب يا مرتجى

ويا غافرَ الذنْب يا غافرَه

سألناك سكنى لها قرّة

ومن فوقها الرّحمة الغامرة

أيا حلوة الروحِ يا حلوةً

ويا سلوة البوح يا ساحرة

ويا قهوة مرةَ المبتداْ

ويا سكّراً أبيضَ البادرة

أطلتَ المُقامَ أيا سكّراً

قتلتَ أميرتك الآسرة

أيا شمسُ عَبّادُها خاضعٌ

ويا فتنةَ الليلك الآمرة

ويا منهل الأنهر المانحات

ويا مزنة الأدمع الماطرة

بكفٍّ بدتْ أصغر الكائنات

وأندى البطون بها حاضرة

ووجهٍ كنوّارةِ البارقات

وفأل المقيمات والعابرة

بغمازتين على كرمتين

فقل للكروم: هنا الفاخرة

وعيناك تبسم للقادمات

كأنّ النجوم بها دائرة

وكم تكتمان فكم تعتبان

وفي الصمتِ تكتملُ الخاطرة

أطلتَ الغيابَ أيا «ميمتي»1

لكِ الحبُّ، والعفو يا ساترة

تعال هنا يا حليف الجراح

وأجّل مواعيدك العابرة

وخذ تمرةً: جرّب السكّري

وتلك.. أتتنا من الزائرة

فقبّلت رأساً له المنحنى

ولا تسحبي كفّك الخادرة

وكيف هو القلب من بعدنا؟!

مصابٌ.. ولكنني صابرة

كما الغيم فاطم مرّت بنا

ويسرى أتتنا مع العاشرة

وعائشة الروح كم أجهشتْ

وكم أتعبتْ روحها الناضرة

وهذي منى أمس حنّت يدِي

ويغلبها الدمعُ: في القاهرة

وخولة كانت على عهدها

فبخّرتِ الغرفةَ الساهرة

وفّواز: أوقاته حرقةٌ

فهذي الكلى لم تعد قادرة

ومريمُ مالت وذا عطرها

وإنْ كانت الآن في الطائرة

وكيف هو المكتب المُدّعى؟!

كأني به صفقةٌ خاسرة!

خديجتك الورد ما حالها؟!

تنامُ؟! على همّها ظاهرة

عروبيّةٌ صنو إيمانها

وحربٌ على الفتنة البائرة

تحلّق أكبرهم والصغار

وكلّ البغاث على شاعرة

فكانوا رجالاً بلا عزّةٍ

وكنّ نصال الأذى الغادرة

وكانوا على طوْلهم دونها

وسادت بعزتها الباهرة

شآميةٌ لا تهاب اللئام

يمانيةُ النظرة الباترة

ولمّا تبخّر طيف العراق

أعادتْه بالسحُب الثائرة

فلا تقلقي، لا تخافي على

سلالتك الحرة النادرة

أيا سارة الحزنِ ذي أضلعي

وذي أحرفي سُجّداً شاكرة

لكِ الله غرّد قمريّها

وكانتْ قفاراً غدتْ عامرة

وقد كان حزنُك أنّ البلاد

على غير عاداتها قاصرة

فنامي لنا المشرقُ المصطفى

وإنْ غيّبته الدمى الفاجرة

ولو ضاقت الأرض من حولنا

ستأتي من الكرخ للناصرة

فإنْ مرّ حسْنٌ بباب الفؤاد

رأيناك في حسنه الحاضرة

وساد الجمال وفي فوْرةٍ

تهاوتْ بها الطغمة الخاسرة

سنقتصّ أنّا على أمّةٍ

كُتِبنا لها الملّة الظافرة

***

1. « ميمتي»: كانت تنادينا بها بالميم المخففة.

* الكرخ للناصرة: من العراق إلى فلسطين

 

 




كلّ الناسِ قد ناموا

 

وكلّ الناس قد هاموا

 

وأنت مُجَنّدٌ

 

لا تخطئ الميدان

 

أنت مجندٌ

 

لا تخطئُ الطلقات

 

إنْ صَوّبتَ

 

أوْ صُوِّبتَ

 

يا مسعى الجراح

 

ومهبط الأحزانْ.

 

عذّبتني يا قلب

 

من أعطاك جمر العقل

 

يا طفل الرماد

 

ومن ترفّق

 

ثمّ أهداك الجنونْ؟!

 

عذبتني يا قلب

 

ما أغوى بك العينين

 

يا أسْرالضحايا

 

في الحرائق

 

والمنافي

 

والسجونْ.

 

عذبتني يا أيها الملعون..

 

يا عشب الطرائد

 

في السهول

 

وفي السفوح

 

ومنبت الكلمات

 

تقتلها الحواشي والمتونْ.

 

عذبتني..

 

لا تسأم الألوان

 

كل الناس قد ملوا

 

وقد ضلوا

 

وأنت مجاهدٌ

 

ما بين تين الشامِ

 

والصحراء

 

لا تلقي الحقائب

 

لم نعد ندري ذهابك

 

أمْ كأنك عائدٌ

 

من غابةِ الزيتونْ.

 

عذبتني

 

من أنت؟!

 

أنت مسيّجٌ

 

في جنةٍ

 

مدهامّةٍ

 

تختار منها النخل

 

ترفعه عن الجدرانْ.

 

عذبتني ما أنت؟!

 

من هذا الذي في جنة النسيانِ

 

مقتدرٌ على طرد القصائد

 

من نعيم الله

 

لا بحر يرويها ولا شطآنْ.

 

عذبتني يا قلب

 

كم تاهت خطاك مؤملاً في التيه مغفرةً

 

وقد حملوا كنوز الأرض

 

وأنت محمّلٌ بالوزر والكثبانْ.

 

عذبتني فاعزف عن الماضي

 

تظلّ تجتر المآسي

 

يجرك اللحن القديم

 

أعيرتك بقلّةٍ في القوم

 

أم كانت تعيّر بالوقار

 

وقد تجاوزك الهزيم؟!

 

ألا لا تجهلن

 

واعزف ليَ الألحانْ

 

لا يا ليل تكفيني

 

ولا يا عين تشفي العاشق الولهانْ!!

       

«إنْ جئتُ يا وطني هل فيكَ متسعٌ

كي نستريح ويهمي فوقنا مطرُ»

سيدي: منذ أن عرفتك - وكنا صغيرين نلهو في ساحة الشمس، ونمسح عن وجهينا غبار الشوارع الترابية حين نغفو- وأنت تكبرُ لتبقى، وأنا أكبرُ لأفنى. ولكنني معك تعرفتُ على أبعادي وحدودي، وتعودت على أبعادك وحدودك، ونما الحبُّ حارقاً فيَّ لك، ونموتَ مستبقاً عاشقَك.

أعشقك فرداً، وتُشرك في هواي لك من لا يعشقك.

أحلّ أو أرحلُ، وتظل الحضور والجهات.

أصمت أو أفتح نوافذ الكلام، وتظلُّ الكلام الذي يقال ولا يقال.

وأنت الذي إن حللتُ وإن رحلتُ وإن قلتُ أو ما قلتُ سيان لديك أو هكذا يبدو لي، فأنت لا تحدثني إلاّ لماما، وإن عاتبتك تغضب، وغضبك جمرة في القلب، وجمرة في الضمير، وأعاتبك:

«واحرّ قلباه ممن قلبه شبم ومن بحالي وجسمي عنده سقم

مالي أكتم حبا قد برى جسدي وتدعي حبَّ «دفق الخافقِ» الأمم»

دفقُ الخافق أنت أيها الغامض الواضح، النزْرُ الفائض، الداخل الخارجُ، الساكن فيّ، الراحلُ عبري.

يأتيك الفتى، وللفتى مشاغله ومواجعُه، حاملاً قلبه في يديه. يحدثك مرتبكاً، وللحديث أصوله ومنابعه، والحديث تعرفهُ ويحفظه الفتى.

بأية لغةٍ أحدثك.. أية أغنية أغنيك وأنت الأغنية الطفلة على شفة متعبة؟!

بأية لغة أحدثك، أي القصائد أهديك وأنت القصيدة والهدية واللغة؟!

«بين دفء التوحّد بالموت، والأنمل الراجفةْ

بين صوتك والعاصفةْ

طلقةٌ خاطفةْ

إن تجاوزتها.. إن فتحت لها معبراً في دمي

زمني كله ينتمي

وأنا واقفٌ كل أزمنتي واقفةْ.

أيها الوطن المستبدّ بما يهب الحب حدّ الشهادةْ

أإلى الموت أم للولادة

هذه اللحظة النازفةْ؟!

لغتي خائفةْ..»

خائف منك فيك، وخائفٌ منك عليك، وخوفُك منزلةٌ من منازل العشق، وتحت شجرته الكبيرة تبقى السؤال والمسألة: أيُّنا نزع الفتيل؟!

أيُّنا ملّ صاحبه؟!

هم يقولون:

«وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي»

وأنا أحذف هذه ال «لو».

فما بدايته شك، حصوله إمكان.. ومعك لا حاجة للنزاع .. فالواحد لا يتنازع.

وهم يقولون:

«بلادي وإن جارت عليّ عزيزة وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام»

وأنا أحذف هذه ال «إنْ» لأنها احتمال، والواقع ينفي الاحتمال.

وهم يقولون:

«ردّني إلى بلادي مع نسائمٍ غوادي»

وأنا أقول: أنت لا تُردّ إلا لما تغادر.. ومعك لا يحدث الافتراق.

لا أحن إليك لأنك لا تغيب ولكنني أحنّ لما يفرُّ من بين أصابعك في زحام المراكب، وفي سباق المسافات الطويلة.

أبحث عن تفرّدك حين يغتال التشابه بنيك: فتفرّدْ.

«إن التشابه للرمال وأنت للأزرق».

وأبحث عن تجاوزك حين تكون الرتابةُ سلمهم السهل للارتقاء: فعلمهم التجاوز.

وأبحث عن قمرك ونجومك في السماء لا في صحن الماء: فاسمُ بهم.

وأبحث عن نخلتك الأولى فأراها واقفة على بعد التفاتةٍ: فالتفتْ.

وأبحث عن الحبِّ فعلمهم الحب.. علمهم الحب.. علمهم الحب.

هم يحسدونني على موتي، وموتي نبعك في ارتحالك نحو جذوة الشمس التي كنا صغيرين نلعبُ في ساحتها.

أتذكر أيها المتمرس خلف قلوبنا، طفولتنا التي ما أكملت سنواتها، وسنواتنا التي ما أكملت فصولها وأيامها؟!

تعلمنا أن السنة أربعة فصول، وكنا ننتظرها كاملة فلا تجيء..

وما زلنا ننتظرها كاملة فلا تجيء

وما زلنا ننتظر..

سيدي: للحديث بقيةٌ، وللسؤال صدى، وللقلب برهة الحياة: معك تكون، وبك تنمو:

«أشجارها تستطيل وتكبو

وثانية تستطيل وتكبو

ولكنها تستطيلُ».

وما بدايته وطنٌ وشعرٌ.. نهايته شعرٌ ووطن، وهذه لك ببوحي وروحي:

إنْ ضاقت الدنيا على سعةِ المنى

أو كشّر الأعداءُ عن نابِ الشّنا

البابُ بابُك ما هَلَلْت مُكبّراً

والبيتُ بيتُك ما حَلَلْت مؤمّنا

والقلبُ قَلبُك فاستضىءْ بسنائهِ

فالساكنُ المسكونُ أنت فمن أنا؟!

يا سيدي يا شهدُ يا وطنَ الجنى

أهديك فارِعةً ونقتسمُ الضّنى

أعطيكَ أيسرُهُ، وأحملُ جُلّهُ

مستبشراً «أوما» وقَال: لعلّنا
****

*المقاطع المقوسة مقتبسة