السبت 16 فبراير 2019

نصوص

 

سأرسمُ لي لوحةً من عذوقِ الكرومِ

 

وداليةً من كروم النخيلْ

 

سأعدلُ بين الزجاجِ

 

وبين المزاجِ

 

إذا فاح روحُ الصباحِ ببنٍّ

 

قليلٍ من الهيل

 

والنكهةُ العربية تمشي الهوينى

 

ولي في الوجِي أملٌ

 

ولي

 

ولست بأعشى

 

من الوحل والطين صلصالُها

 

أشكل في القلب تمثالَها*

 

يكونُ كما نضجتْ فكرةٌ

 

مثلما تنضجين بروحي

 

كخمر السنين تعتّقَ

 

واللون منه ترقرقَ

 

والله ما تكبرين سوى في المقام

 

تظلين أنت الصغيرة والعطر في نشأة الورد

 

تظلين يا شهد

 

يا نهر

 

يا سلسبيلْ

 

أيا لوحةً ملء رأسي

 

تشدّ مداي ببعض الصهيلِ

 

وبعض الهديلْ

 

ولا تعجبي

 

«فلدالي» خيالٌ

 

أتاني مع الحلم والذكريات

 

هو الآن منهمرٌ مثل حلم الصغيرات

 

منطلقٌ كشباب القبيلة

 

ألا تعلمين بأنّ القبائل تنشئُ ألوانَها

 

من سفوحٍ

 

وحتى أعالي الجبالْ

 

تعالي انظري:

 

شرفتي ها هنا

 

وفؤادي مع الغيم صار هناك

 

ربما كان في خاطري الزنجبيل

 

سأترك للضوء أنهاره والسماء

 

سأترك نافذةً

 

ربما زادني الشوق صرتُ سحابا

 

فأغلقت باباً

 

وأرخيتُ بابا

 

ربما هزّني القلبُ حتى أغنّي

 

فأدعو ربابا

 

ليحضرَ في صفحةِ الشعرِ كلُّ كريمٍ

 

وكلّ بخيلْ..

 

لها ما لها

 

بيوتٌ من الطين بنّيةٌ

 

ولها

 

من الخضرة البكر خضرتُها

 

ومن سعفاتِ النخيلِ النخيلْ.

 

ولي بينكم سنواتٌ لها زرقةٌ

 

يشهد البحرُ أنّ بها زرقةً

 

يلوّنها الصبرُ

 

صبرُ الجوادِ الجميلِ

 

وعطرُ الفؤادِ العليلْ.

 

* الأعشى

 

 

غراء فرعاء مصقولٌ عوارضها

تمشي الهوينى كما يمشي الوجِي الوحِلُ



كلّ الناسِ قد ناموا

 

وكلّ الناس قد هاموا

 

وأنت مُجَنّدٌ

 

لا تخطئ الميدان

 

أنت مجندٌ

 

لا تخطئُ الطلقات

 

إنْ صَوّبتَ

 

أوْ صُوِّبتَ

 

يا مسعى الجراح

 

ومهبط الأحزانْ.

 

عذّبتني يا قلب

 

من أعطاك جمر العقل

 

يا طفل الرماد

 

ومن ترفّق

 

ثمّ أهداك الجنونْ؟!

 

عذبتني يا قلب

 

ما أغوى بك العينين

 

يا أسْرالضحايا

 

في الحرائق

 

والمنافي

 

والسجونْ.

 

عذبتني يا أيها الملعون..

 

يا عشب الطرائد

 

في السهول

 

وفي السفوح

 

ومنبت الكلمات

 

تقتلها الحواشي والمتونْ.

 

عذبتني..

 

لا تسأم الألوان

 

كل الناس قد ملوا

 

وقد ضلوا

 

وأنت مجاهدٌ

 

ما بين تين الشامِ

 

والصحراء

 

لا تلقي الحقائب

 

لم نعد ندري ذهابك

 

أمْ كأنك عائدٌ

 

من غابةِ الزيتونْ.

 

عذبتني

 

من أنت؟!

 

أنت مسيّجٌ

 

في جنةٍ

 

مدهامّةٍ

 

تختار منها النخل

 

ترفعه عن الجدرانْ.

 

عذبتني ما أنت؟!

 

من هذا الذي في جنة النسيانِ

 

مقتدرٌ على طرد القصائد

 

من نعيم الله

 

لا بحر يرويها ولا شطآنْ.

 

عذبتني يا قلب

 

كم تاهت خطاك مؤملاً في التيه مغفرةً

 

وقد حملوا كنوز الأرض

 

وأنت محمّلٌ بالوزر والكثبانْ.

 

عذبتني فاعزف عن الماضي

 

تظلّ تجتر المآسي

 

يجرك اللحن القديم

 

أعيرتك بقلّةٍ في القوم

 

أم كانت تعيّر بالوقار

 

وقد تجاوزك الهزيم؟!

 

ألا لا تجهلن

 

واعزف ليَ الألحانْ

 

لا يا ليل تكفيني

 

ولا يا عين تشفي العاشق الولهانْ!!

 

نسيتُ الصبا والشباب

 

وأدركتُ أنّ الصوابَ التّملّي

 

يريدون قتل الحياة

 

يريدون قتلي

 

وها إنني صامدٌ كالجبالْ

 

جارفٌ كالمياه

 

رقيقٌ كما السلسبيل

 

أقبّلُ إنْ رحتُ أو جئتُ أهلي

 

أنا لا أجيب على الشائعات

 

فمنْ قال؟!

 

قلْ لي!!

 

أنا ابن الحياة

 

ولي صاحبٌ

 

ربما امرأة من ينابيعَ

 

من أحرفٍ عالياتٍ

 

فأدعو أخِلّي

 

شِمالٌ جنوب

 

جنوبٌ شِمالْ

 

لنا المسك والبرتقالْ

 

إذا غبتّ عني

 

فمنْ لي ؟!

 

ولو حاولوا قتلك الآن يا صاحبي

 

حلّ قتلي

 

سأفديك يا أجمل العارفين

 

يا سيداً يا بهيجاً

 

سيفديك كلّي

 

وقد قال آخرهم في الخطاب

 

وأزعم أني رأيت الجواب

 

لعلّ له جانباً في صواب الحقيقة

 

قلت لعلّي!

 

لها شفةً لا تطيق الغياب

 

أيا عنباً لا يطيق التدلّي

 

أنا شاعرٌ قسما بالإله

 

أجيرُ الجمال

 

فمن تابعٌ في الظهيرة ظلّي

 

أنا شاعرٌ وفريدٌ

 

أنا الشاعر المتجلّي

 

يقولون مات

 

أقول تعالوا

 

إلى الموت نقضي الحياة سويّا

 

ونعرفُ من سوف يمضي بهيّا

 

أناديك أنت النديّ

 

أيا سيّداً وحبيباً

 

فكنْ لي.

 في ذكرى سيدة الخير والحب سارة أسكنها الله رحمتَه، والدة الشاعرة خديجة يوسف العمْري

 

 

 

سحابٌ على مغربِ المقبرة

أيا سارةَ الخيرِ يا طاهرة

سحابٌ ثقالٌ نأى برقها

وغيمٌ بعينٍ على السّاهرة

تموتُ القلوبُ وأشجارها

وتحيا وتثمرُ في الذاكرة

كتطواف طيرٍ بلا موطنٍ

تحنّ لأيامها الغابرة

وتبغي شِمالاً ولا حيلةٌ

وقد باتت القِبلة الحافرة

أنسعى حثيثاً نمدّ الخطى

وفي الموت خطوتنا العاثرة؟

فيا قابل التوْب يا مرتجى

ويا غافرَ الذنْب يا غافرَه

سألناك سكنى لها قرّة

ومن فوقها الرّحمة الغامرة

أيا حلوة الروحِ يا حلوةً

ويا سلوة البوح يا ساحرة

ويا قهوة مرةَ المبتداْ

ويا سكّراً أبيضَ البادرة

أطلتَ المُقامَ أيا سكّراً

قتلتَ أميرتك الآسرة

أيا شمسُ عَبّادُها خاضعٌ

ويا فتنةَ الليلك الآمرة

ويا منهل الأنهر المانحات

ويا مزنة الأدمع الماطرة

بكفٍّ بدتْ أصغر الكائنات

وأندى البطون بها حاضرة

ووجهٍ كنوّارةِ البارقات

وفأل المقيمات والعابرة

بغمازتين على كرمتين

فقل للكروم: هنا الفاخرة

وعيناك تبسم للقادمات

كأنّ النجوم بها دائرة

وكم تكتمان فكم تعتبان

وفي الصمتِ تكتملُ الخاطرة

أطلتَ الغيابَ أيا «ميمتي»1

لكِ الحبُّ، والعفو يا ساترة

تعال هنا يا حليف الجراح

وأجّل مواعيدك العابرة

وخذ تمرةً: جرّب السكّري

وتلك.. أتتنا من الزائرة

فقبّلت رأساً له المنحنى

ولا تسحبي كفّك الخادرة

وكيف هو القلب من بعدنا؟!

مصابٌ.. ولكنني صابرة

كما الغيم فاطم مرّت بنا

ويسرى أتتنا مع العاشرة

وعائشة الروح كم أجهشتْ

وكم أتعبتْ روحها الناضرة

وهذي منى أمس حنّت يدِي

ويغلبها الدمعُ: في القاهرة

وخولة كانت على عهدها

فبخّرتِ الغرفةَ الساهرة

وفّواز: أوقاته حرقةٌ

فهذي الكلى لم تعد قادرة

ومريمُ مالت وذا عطرها

وإنْ كانت الآن في الطائرة

وكيف هو المكتب المُدّعى؟!

كأني به صفقةٌ خاسرة!

خديجتك الورد ما حالها؟!

تنامُ؟! على همّها ظاهرة

عروبيّةٌ صنو إيمانها

وحربٌ على الفتنة البائرة

تحلّق أكبرهم والصغار

وكلّ البغاث على شاعرة

فكانوا رجالاً بلا عزّةٍ

وكنّ نصال الأذى الغادرة

وكانوا على طوْلهم دونها

وسادت بعزتها الباهرة

شآميةٌ لا تهاب اللئام

يمانيةُ النظرة الباترة

ولمّا تبخّر طيف العراق

أعادتْه بالسحُب الثائرة

فلا تقلقي، لا تخافي على

سلالتك الحرة النادرة

أيا سارة الحزنِ ذي أضلعي

وذي أحرفي سُجّداً شاكرة

لكِ الله غرّد قمريّها

وكانتْ قفاراً غدتْ عامرة

وقد كان حزنُك أنّ البلاد

على غير عاداتها قاصرة

فنامي لنا المشرقُ المصطفى

وإنْ غيّبته الدمى الفاجرة

ولو ضاقت الأرض من حولنا

ستأتي من الكرخ للناصرة

فإنْ مرّ حسْنٌ بباب الفؤاد

رأيناك في حسنه الحاضرة

وساد الجمال وفي فوْرةٍ

تهاوتْ بها الطغمة الخاسرة

سنقتصّ أنّا على أمّةٍ

كُتِبنا لها الملّة الظافرة

***

1. « ميمتي»: كانت تنادينا بها بالميم المخففة.

* الكرخ للناصرة: من العراق إلى فلسطين