الأحد 19 مايو 2019

نصوص

يصف الأديب الكبير رسول حمزتوف في رائعته " بلدي" من يتنكر للغته بسخرية مريرة: " أجل, رأيت أمثال هؤلاء الناس, لغتهم الأم بالنسبة لهم لغة صغيرة وفقيرة, فراحوا يبحثون لأنفسهم عن لغة أخرى, غنية وكبيرة, فكان أمرهم من أمر الجدي في الأسطورة الآفارية: ذهب الجدي إلى الغابة لينمو له ذنب ذئب, فعاد حتى بدون قرنين."

 

في عام 1962 كتب سعدي يوسف من البصرة إلى أبي تمام قائلاً:

" ما عاد عالمنا استعارة
معنىً, وتشبيهاً, وزخرفةً ثمينهْ
ما عاد عالمنا تجارة.

**

لكنني, والبحر يغسل جبهتي برداً ولينا
سأظلّ منتظراً خطاكْ
وحديثك الليليّ, يا قمراَ حزينا..

**

لم يعد الأكل في مجتمعاتنا الخليجية مسألة ضرورةٍ، وحاجة وطاقة، بل أضحى مسألة شرهٍ، وترف، ووجاهةٍ، وتسليةٍ وعبث.


والطعام اليوم يطبخ في البيوت، ويُسعى إليه في المطاعم، ويجلب عبر الهاتف.
وعندما استقالت الأمهات والبنات، تفنـّـنت الشغالات، وتضاعفت الوجبات والكميات.
أما المطاعم فقد أصبح هنالك مطعم و( بوفيه ) لكل مواطن، وفي مدينة كالرياض يمكنك أن تتنقل بين اللحوم من الحمام إلى النعام، ومن الأرانب للجمال.
وبإمكانك أن تكون كورياً أو صينياً في الظهر، ويابانياً في المساء.
ومن الكائنات المستضعفة المرافقة لمسيرتنا الغذائية الدجاج.
وهو رغم محاولاته اليائسة لتغطية الأسواق بملايين الملايين من بيضه اللذيذ، إلا أن ذلك لم يكن شافعاً ولا كافياً لإنقاذه من مصيره المتذبذب بين الشيِّ والقلي.
ولعل بعض الدجاجات يدعين على بعضهن إذا ما غضبن، بأن تقطـَّع جارتها إرباً لتصبح " شاورما " مثلاً، أو أن تلقى في جحيم كنتاكي، أو بروست، أو أن " تسحَّب " على يد تركي أو لبناني، أو أن " تذوّب " على طريقة " ماجي ".
أما في حالات المزاح فيتمنين لها أن تكون " طازجة " أو " داجنة".
والدجاج من الكائنات القليلة المهددة بالأكل منذ نشأتها.
وهناك من الناس من يفطر على بيضٍ مقلي، ويتسلى بين الوجبات ببيضٍ مسلوق، ويتغدى على دجاجة مشوية، ويتعشى بعدد لا بأس به من شاورما الدجاج.
وقد روى لي أحدهم أنه شاهد أناساً من هذا النوع يسيرون بأجنحة، ويصدرون أصواتاً غير مفهومة أقرب إلى الكأكأة.
وأعرف صديقـاً لا يعتبر أكـله أكلاً إلا إذا تصدّرت الدجـاجة مجــلس       " البخاري ".
وقد عانت الدجاجة مع الإنسان تعذيباً أكبر من التصفية الجسدية، وذلك هو التعذيب المعنوي في الحياة حيث وُصفت بالجبن، وحيث يصف الغرب الجبان بأنه دجاجة، فأية إهانة، وأي إذلال أكبر من ذلك.
أما الديكة فكانت أفضل وضعاً، وأسعد حالاً إذا استطاعت عبر حضورها المميز، وألوانها الأنيقة، وخطواتها الواثقة أن تحتل مراكز متقدمة عند البشر.
فها هو الديك شعارٌ لدولة عظمى كفرنسا، وها هي الديكة تدخل حلبات المصارعة في دول عدة كالمكسيك والصين وغيرها.
وفي ذلك قمة الشجاعة والشرف والافتخار بالذات كما يرى خبراء السير الذاتية.
والديك يصيح فوق السور، وينبئ بالأوقات، إلا ديك جارٍ سابقٍ لي، فقد كان ديكه أحولاً لا يعي الأوقات، فكان يصيح طوال الليل والنهار، لكنه في النهاية كسب الرهان، واضطرني للانتقال.
وتشتكي الدجاجات من أوضاعهن في الزمن الحالي، ويتحسّرن على زمان كنّ فيه تحت رعاية النساء يقدمن لهن الحبوب، وبقايا الطعام الجيد ويتركوهن يسرحن ويمرحن في الباحات.
أما اليوم فسجون مكتظة، وطعام رديء، ونهايات تراجيدية.
تقول دجاجة من جماعة الدجاج الأبيض قابلها في سجنها صحفي متنكر بزي مزارع: " هذا عصر بربري، وهؤلاء الناس برابرة وجاحدون، أليس بوسعهم على الأقل معاملتنا كالخراف.. مراعٍ وحرية في الحياة؟!.."
وقد أكد الصحفي فيما بعد أنها لم تعمر طويلاً بعد هذا التصريح.