الجمعة 17 أغسطس 2018

نصوص

 في ذكرى سيدة الخير والحب سارة أسكنها الله رحمتَه، والدة الشاعرة خديجة يوسف العمْري

 

 

 

سحابٌ على مغربِ المقبرة

أيا سارةَ الخيرِ يا طاهرة

سحابٌ ثقالٌ نأى برقها

وغيمٌ بعينٍ على السّاهرة

تموتُ القلوبُ وأشجارها

وتحيا وتثمرُ في الذاكرة

كتطواف طيرٍ بلا موطنٍ

تحنّ لأيامها الغابرة

وتبغي شِمالاً ولا حيلةٌ

وقد باتت القِبلة الحافرة

أنسعى حثيثاً نمدّ الخطى

وفي الموت خطوتنا العاثرة؟

فيا قابل التوْب يا مرتجى

ويا غافرَ الذنْب يا غافرَه

سألناك سكنى لها قرّة

ومن فوقها الرّحمة الغامرة

أيا حلوة الروحِ يا حلوةً

ويا سلوة البوح يا ساحرة

ويا قهوة مرةَ المبتداْ

ويا سكّراً أبيضَ البادرة

أطلتَ المُقامَ أيا سكّراً

قتلتَ أميرتك الآسرة

أيا شمسُ عَبّادُها خاضعٌ

ويا فتنةَ الليلك الآمرة

ويا منهل الأنهر المانحات

ويا مزنة الأدمع الماطرة

بكفٍّ بدتْ أصغر الكائنات

وأندى البطون بها حاضرة

ووجهٍ كنوّارةِ البارقات

وفأل المقيمات والعابرة

بغمازتين على كرمتين

فقل للكروم: هنا الفاخرة

وعيناك تبسم للقادمات

كأنّ النجوم بها دائرة

وكم تكتمان فكم تعتبان

وفي الصمتِ تكتملُ الخاطرة

أطلتَ الغيابَ أيا «ميمتي»1

لكِ الحبُّ، والعفو يا ساترة

تعال هنا يا حليف الجراح

وأجّل مواعيدك العابرة

وخذ تمرةً: جرّب السكّري

وتلك.. أتتنا من الزائرة

فقبّلت رأساً له المنحنى

ولا تسحبي كفّك الخادرة

وكيف هو القلب من بعدنا؟!

مصابٌ.. ولكنني صابرة

كما الغيم فاطم مرّت بنا

ويسرى أتتنا مع العاشرة

وعائشة الروح كم أجهشتْ

وكم أتعبتْ روحها الناضرة

وهذي منى أمس حنّت يدِي

ويغلبها الدمعُ: في القاهرة

وخولة كانت على عهدها

فبخّرتِ الغرفةَ الساهرة

وفّواز: أوقاته حرقةٌ

فهذي الكلى لم تعد قادرة

ومريمُ مالت وذا عطرها

وإنْ كانت الآن في الطائرة

وكيف هو المكتب المُدّعى؟!

كأني به صفقةٌ خاسرة!

خديجتك الورد ما حالها؟!

تنامُ؟! على همّها ظاهرة

عروبيّةٌ صنو إيمانها

وحربٌ على الفتنة البائرة

تحلّق أكبرهم والصغار

وكلّ البغاث على شاعرة

فكانوا رجالاً بلا عزّةٍ

وكنّ نصال الأذى الغادرة

وكانوا على طوْلهم دونها

وسادت بعزتها الباهرة

شآميةٌ لا تهاب اللئام

يمانيةُ النظرة الباترة

ولمّا تبخّر طيف العراق

أعادتْه بالسحُب الثائرة

فلا تقلقي، لا تخافي على

سلالتك الحرة النادرة

أيا سارة الحزنِ ذي أضلعي

وذي أحرفي سُجّداً شاكرة

لكِ الله غرّد قمريّها

وكانتْ قفاراً غدتْ عامرة

وقد كان حزنُك أنّ البلاد

على غير عاداتها قاصرة

فنامي لنا المشرقُ المصطفى

وإنْ غيّبته الدمى الفاجرة

ولو ضاقت الأرض من حولنا

ستأتي من الكرخ للناصرة

فإنْ مرّ حسْنٌ بباب الفؤاد

رأيناك في حسنه الحاضرة

وساد الجمال وفي فوْرةٍ

تهاوتْ بها الطغمة الخاسرة

سنقتصّ أنّا على أمّةٍ

كُتِبنا لها الملّة الظافرة

***

1. « ميمتي»: كانت تنادينا بها بالميم المخففة.

* الكرخ للناصرة: من العراق إلى فلسطين

 

 



يأتي غنى الوقت من غنى المعرفة، والعكس صحيح، وذلك حين يكون شجر الوقت يانعًا مثمرًا تقطف منه ما تشاء؛ لأنه ملكك.. لأنه لك.

وقد دونت هنا ما مرَّ بي، وصاحب الروح، في ساعتين مرتا كلمح البصر مع أكواب القهوة، والشجر الحر المطل علينا بعيون حانية لا تقيد، بل تبوح.

كانت في يده رواية جميلة، وكان فرحًا برحيقها، بل إنه لشدة سعادته قرأ لي مقتطفات من أفكار شرح عليها، وكانت في يدي ورقة، فقلت له هات. سعد بذلك الاهتمام، فهاكم شيئًا من أسرار البطء لميلان كونديرا:

- «منبع الخوف يكمن في المستقبل، ومن تحرر من المستقبل لا يخشى شيئا».

- «السرعة هي حالة انجذاب قدمتها التقنية هدية للإنسان».

- «يبدو أن العالم كله موجود ضمن قوقعة واسعة تصدر صدى.. بحيث إن كل كلمة ينطق بها تدوي وتتضخم بأصداء متعددة وغير متناهية».

- «الأطفال فقط يعيشون في عالم الصدق».

وكما عادة العرب، بادلته كرما بكرم فقرأت عليه هذه الكلمات، وهي أغنية لروجر ووترز بعنوان: كم أتمنى لو كنت هنا:

So, so you think you can tell Heaven from Hell,

blue skies from pain

Can you tell a green field from a cold steel rail?

A smile from a veil?

Do you think you can tell?

And did they get you to trade your heroes for ghosts?

Hot ashes for trees?

Hot air for a cool breeze?

Cold comfort for change?

And did you exchange a walk on part in the war for a lead role in a cage?

How I wish, how I wish you were here.

We›re just two lost souls swimming in a fish bowl, year after year,

Running over the same old ground.

What have you found? The same old fears.

Wish you were here.

وسأحاول هنا ترجمة المعنى قدر المستطاع:

إذاً.. إذاً تعتقد بأنك تستطيع

تمييز الجنة من النار

السموات الزرقاء من الألم

فهل تستطيع تمييز حقل أخضر من قضبان سكة حديد بارد

البسمة من المخاتلة

هل تعتقد بالفعل أنك تستطيع التمييز؟

وهل جعلوك تقايض أبطالك بالأشباح؟

الرماد الحار مقابل الأشجار؟

الهواء الساخن مقابل نسمة باردة؟

الرفاهية مقابل القليل من المال؟

وهل استبدلت دورك الثانوي في الحرب

بدور رئيسي في قفص؟

كم أتمنى/ كم أتمنى لو كنت هنا

فنحن مجرد روحين تائهين يسبحان في حوض أسماك..

سنة تلو أخرى

نعدو على نفس الساحة القديمة

فماذا وجدنا؟

المخاوف القديمة نفسها..

كم أتمنى، كم أتمنى لو كنت هنا.

لقد كان وقتا غنيا كريما، وها هو يزداد غنى بكم أيها الأحباب.

       

«إنْ جئتُ يا وطني هل فيكَ متسعٌ

كي نستريح ويهمي فوقنا مطرُ»

سيدي: منذ أن عرفتك - وكنا صغيرين نلهو في ساحة الشمس، ونمسح عن وجهينا غبار الشوارع الترابية حين نغفو- وأنت تكبرُ لتبقى، وأنا أكبرُ لأفنى. ولكنني معك تعرفتُ على أبعادي وحدودي، وتعودت على أبعادك وحدودك، ونما الحبُّ حارقاً فيَّ لك، ونموتَ مستبقاً عاشقَك.

أعشقك فرداً، وتُشرك في هواي لك من لا يعشقك.

أحلّ أو أرحلُ، وتظل الحضور والجهات.

أصمت أو أفتح نوافذ الكلام، وتظلُّ الكلام الذي يقال ولا يقال.

وأنت الذي إن حللتُ وإن رحلتُ وإن قلتُ أو ما قلتُ سيان لديك أو هكذا يبدو لي، فأنت لا تحدثني إلاّ لماما، وإن عاتبتك تغضب، وغضبك جمرة في القلب، وجمرة في الضمير، وأعاتبك:

«واحرّ قلباه ممن قلبه شبم ومن بحالي وجسمي عنده سقم

مالي أكتم حبا قد برى جسدي وتدعي حبَّ «دفق الخافقِ» الأمم»

دفقُ الخافق أنت أيها الغامض الواضح، النزْرُ الفائض، الداخل الخارجُ، الساكن فيّ، الراحلُ عبري.

يأتيك الفتى، وللفتى مشاغله ومواجعُه، حاملاً قلبه في يديه. يحدثك مرتبكاً، وللحديث أصوله ومنابعه، والحديث تعرفهُ ويحفظه الفتى.

بأية لغةٍ أحدثك.. أية أغنية أغنيك وأنت الأغنية الطفلة على شفة متعبة؟!

بأية لغة أحدثك، أي القصائد أهديك وأنت القصيدة والهدية واللغة؟!

«بين دفء التوحّد بالموت، والأنمل الراجفةْ

بين صوتك والعاصفةْ

طلقةٌ خاطفةْ

إن تجاوزتها.. إن فتحت لها معبراً في دمي

زمني كله ينتمي

وأنا واقفٌ كل أزمنتي واقفةْ.

أيها الوطن المستبدّ بما يهب الحب حدّ الشهادةْ

أإلى الموت أم للولادة

هذه اللحظة النازفةْ؟!

لغتي خائفةْ..»

خائف منك فيك، وخائفٌ منك عليك، وخوفُك منزلةٌ من منازل العشق، وتحت شجرته الكبيرة تبقى السؤال والمسألة: أيُّنا نزع الفتيل؟!

أيُّنا ملّ صاحبه؟!

هم يقولون:

«وطني لو شغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي»

وأنا أحذف هذه ال «لو».

فما بدايته شك، حصوله إمكان.. ومعك لا حاجة للنزاع .. فالواحد لا يتنازع.

وهم يقولون:

«بلادي وإن جارت عليّ عزيزة وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام»

وأنا أحذف هذه ال «إنْ» لأنها احتمال، والواقع ينفي الاحتمال.

وهم يقولون:

«ردّني إلى بلادي مع نسائمٍ غوادي»

وأنا أقول: أنت لا تُردّ إلا لما تغادر.. ومعك لا يحدث الافتراق.

لا أحن إليك لأنك لا تغيب ولكنني أحنّ لما يفرُّ من بين أصابعك في زحام المراكب، وفي سباق المسافات الطويلة.

أبحث عن تفرّدك حين يغتال التشابه بنيك: فتفرّدْ.

«إن التشابه للرمال وأنت للأزرق».

وأبحث عن تجاوزك حين تكون الرتابةُ سلمهم السهل للارتقاء: فعلمهم التجاوز.

وأبحث عن قمرك ونجومك في السماء لا في صحن الماء: فاسمُ بهم.

وأبحث عن نخلتك الأولى فأراها واقفة على بعد التفاتةٍ: فالتفتْ.

وأبحث عن الحبِّ فعلمهم الحب.. علمهم الحب.. علمهم الحب.

هم يحسدونني على موتي، وموتي نبعك في ارتحالك نحو جذوة الشمس التي كنا صغيرين نلعبُ في ساحتها.

أتذكر أيها المتمرس خلف قلوبنا، طفولتنا التي ما أكملت سنواتها، وسنواتنا التي ما أكملت فصولها وأيامها؟!

تعلمنا أن السنة أربعة فصول، وكنا ننتظرها كاملة فلا تجيء..

وما زلنا ننتظرها كاملة فلا تجيء

وما زلنا ننتظر..

سيدي: للحديث بقيةٌ، وللسؤال صدى، وللقلب برهة الحياة: معك تكون، وبك تنمو:

«أشجارها تستطيل وتكبو

وثانية تستطيل وتكبو

ولكنها تستطيلُ».

وما بدايته وطنٌ وشعرٌ.. نهايته شعرٌ ووطن، وهذه لك ببوحي وروحي:

إنْ ضاقت الدنيا على سعةِ المنى

أو كشّر الأعداءُ عن نابِ الشّنا

البابُ بابُك ما هَلَلْت مُكبّراً

والبيتُ بيتُك ما حَلَلْت مؤمّنا

والقلبُ قَلبُك فاستضىءْ بسنائهِ

فالساكنُ المسكونُ أنت فمن أنا؟!

يا سيدي يا شهدُ يا وطنَ الجنى

أهديك فارِعةً ونقتسمُ الضّنى

أعطيكَ أيسرُهُ، وأحملُ جُلّهُ

مستبشراً «أوما» وقَال: لعلّنا
****

*المقاطع المقوسة مقتبسة

                              
هل يمكن أن يُوجَدَ بخلٌ ثقافيّ؟!
نحن نعرف البخل بشكل عام، ومن قبله سجية الشح، ولا يوجد أبغض منهما سواء في القرآن، أو في الأخلاق العربية.