الأربعاء 19 سبتمبر 2018

التاء الحِلْيةُ.. والأنثى الحالِية (1)

« تعلّقَ قلبي طَفلةً عربيةً

تنعّمُ بالدّيباجِ.. والحلْيِ والحُلَلْ

لها مُقلةٌ لو أنها نظرتْ بها

إلى راهبٍ قدْ صامَ.. للهِ وابتهلْ

لأصبحً مفتوناً معَنّىً بحبها

كأنْ لمْ يصمْ للهِ يوماً ولمْ يُصل»*

 

تُشرقُ التاءُ وتتجلى في سماءِ وحياةِ اللغةَ والعربيةِ وأبجديتها حتى صارت قيمةً ثابتةً في فضاءاتها التعبيرية والتجسيدية، فلا تمييز للكائنات بدونها، وهي تنحاز إلى الأنثى والتأنيث، رغم امتزاجها بالأنا الذكورية امتزاجاً لا انفكاك منه على صعيد الأفعال والمنجزات، فهي تتحكم بماضي الإنسان وحاضره ومستقبله، وترافق أفعال الذكر والأنثى، فلا يمكن لأحدٍ أن يعبر عن حياته بدونها، فيقول المميز، وتقول المميزة فينا: لقد تعلمتُ وعملتُ وشققتُ طريقي بعصاميّةٍ فنجحتُ ونلتُ ما حلمتُ به وخططت له.

والتاءُ كنزٌ من كنوز لسانِ العرب التي لا تقدر بثمن:

« التاء من الحروف المهموسة، وهي من الحروف النطعية، والطاء والدال والثاء، ثلاثة في حيّزٍ واحد. ‏

التاء: حرف هجاء من حروف المعجم تاء، وتنسب القصيدة التي قوافيها على التاء تائية، ويقال: تاوية، وكان أبو جعفر الرؤاسي يقول: بيوية وتيوية; الجوهري: النسب إلى التاء تيوي. وقصيدة تيوية: رويّها التاء. وقال أبو عبيد عن الأحمر: تاوية، قال: وكذلك أخواتها; والتاء من حروف الزيادات وهي تزاد في المستقبل إذا خاطبت تقول: أنت تفعل. والتاء في القسم بدل من الواو كما أبدلوا منها في تترى وتراث وتخمة وتجاه, والواو بدل من الباء, تقول : تالله لقد كان كذا, ولا تدخل في غير هذا الاسم, وقد تزاد التاء للمؤنث في أول المستقبل وفي آخر الماضي، تقول: هي تفعل وفعلت، فإن تأخرت عن الاسم كانت ضميرا، وإن تقدمت كانت علامة. قال ابن بري:

تاء التأنيث لا تخرج عن أن تكون حرفا تأخرت أو تقدمت, قال الجوهري: وقد تكون ضمير الفاعل في قولك: فعلت، يستوي فيه المذكر والمؤنث, فإنْ خاطبت مذكرا فتحْت, وإنْ خاطبْت مؤنثا كسَرْت.»

وتحافظ التاء على الإيقاع الموسيقي، وتجعل اللغة انسيابيةً متوازنةً منغّمةً منعّمةً مبهجة، وذلك عبر تكرارها وتواليها أينما كان موقعها من المفردات:

( تبّت يدا أبي لهبٍ وتب)، ( وامرأتُهُ حمالةُ الحطب).

ونجدُ جرْسها في عموم القرآن الكريم وعظيمِ بيانهِ، وإعجازه اللغوي والفني، كما نجدها في سورٍ كريمةٍ كالتكوير:

{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14)}.

وإذا كان الوأد جاهلياً، فكيف سيسأل من يدعون الإسلام والعلمَ عن قتلهم المسلمين في مساجدهم، وتقطيع أوصال أوطانهم، وزرع الفتن والفوضى والحروب فيها، وتهجير الملايين من الآمنين، وإعادة الأمة إلى الجاهليةِ والجهل، حيث يكثر المحرضون والمتعالمون، والمفتون بلا علمٍ أو بصيرة، وتسود ثقافة القطيع والمصالح الفئوية الضيقة، ويختلط الحابل بالنابل، والعالم بالجاهل، فلا يميز الناس الحق، وتغيب شمس الحقيقة؟!

ونجدها في سورة الانشقاق:

{إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5)}.

والتاء بحرٌ لا يجيد الغوص فيه إلا المهرة من أهل الخبرة، وأهل العلم من محبي اللغة، وربما لذلك قال حافظ إبراهيم:

أنا البحرُ في أحشائهِ الدرُّ كامنٌ

فهلْ ساءلوا الغوّاصَ عن صدفاتي

رحمك الله يا حافظ، هم لا يَسألون ولا يُسألون، فالمسؤولون عن الإعلام والفضاء العربي مشغولون بالمسلسلات والمواد التركية حتى لكأنك في أحد الشوارعِ الخلفية لأنقرة، ولكي لا يتنفس القوم هواءً وخلقاً عربياً صافياً بعد أنْ « تمكْسَكوا» زمناً عبر المسلسلات التي لا تنتهي، شغلوا الفضاء بوابلٍ من المسلسلات الهنديةِ واليابانيةِ، فيما وازنت الكفةَ قناتا المنار والميادين بالمسلسلات والإنتاج الفارسي، فلا هدنةَ حتى في التتفيه والتسطيح!

أما النتاج الأمريكي وهو متاحٌ ومتمدد أكثر من المساحات التي يمنع فيها التدخين اليوم، وخطورته على العقول كخطورة التدخين على رئات الشباب، ويحتاج إلى توعيةٍ مضاعفة.. فالسم الصهيوني اليهودي الذي يدسه المتحكمون بهوليوود فيه، يصل إلى حد المؤامرة والعمل المخابراتي، وذلك عبر خطط طويلة المدى لغسل الأدمغة.

فأنت تكاد تصادف أسماء الأبطال العبرانية كآرون، أكثر من توم.

كما يكاد لا يخلو فيلم من الإشارة إلى أن ديانة البطل هي اليهودية، عبر سطرٍ نشازٍ في بناء السيناريو مثل:

إنّ آرون يهودي لا يؤمن بهذا!

أوْ: ألا تعلم أنّ آرون يهودي؟

نعم، لقد زرت متحف الهولوكوست في طريقي إليك!

وآرون دائما هو اليهودي الأمريكي البطل الذكي الموهوب الذي يفوز في النهاية رغم الظروف المحيطة المحبطة بقلب البطلة الأمريكية الجميلة الذكية لكنها رغم ذلك لا تصل إلى مستوى عبقريته وثقافته الواسعة، وهو الأمريكي الوطني الذي ينقذ الأمة من خطرٍ كخطر النازية المقيتة، أو الإرهاب!

ونحن هنا لا ندعو لمقاطعة أي نتاج، فلم تعد سياسات المنع والحجب تنفع، فنحن نتحكم بما نشاهد، لكننا ندعو لتقنينه وبث المفيد والمميز منه، ونقده وتوعية الناس به عبر برامج هادفة لا عبر برامج مهووسين يرتدون قمصاناً يزينها العلم الأمريكي، أو عبارة صنع في أمريكا!

وكذلك يكون الحوار داخلَ وعبر الأسرةِ والمدرسةِ والجامعة والإعلام، بحيث يتحكم الشاب بما يشاهد، ولا يوجهه جهاز تحكمٍ بعيدٍ أو قريب في هذا الموضوع أو ذاك، كما في غزو الفضاء الإلكتروني الإرهابي.


 *الشاعر إمرؤ القيس