الجمعة 17 أغسطس 2018

 أسئلةُ العقولِ والأوطان!

« يمضونَ يأتونَ كالأبوابِ ما خرجوا

مِنْ أيِّ شيءٍ ولا في غيرِهِ دخلوا!»*

أسألُ نفسيَ كلّ يومٍ:

هل أنا قديمٌ أم حديث؟!

هل هي الجيناتُ أم هو تمرّد الذات؟!

هل أنا أنا أم أنا غيري، أنقادُ لما سبق تدوينه دون مراجعةٍ أو بحثٍ أو أسئلة؟!

هل أنا إضافةٌ مدهشةٌ أم تكرارٌ رتيب؟!

كم تخترق الأسئلةُ الغبار، غبار التاريخ وغبار الجغرافيا، وأظلّ أتساءلُ، لا أنت تجيب، ولا الواقع المرّ يجيب!

أعتقد أننا قرأنا جل ما أنتجته العقول العربية، فهل فهمنا، وهل راكمنا، فعلى سبيل المثال هل كان حوار الجابري مع العقل العربي أجدى، أم كان حوار أركون هو الأقرب؟!

وما الذي أثار تفكيرنا أكثر أسئلة أدونيس أم إجابات حسين مروة؟!

وهل انجذبنا للواقعيين أم للبنيويين وأصحاب الشكل والفن للفنّ؟!

واليوم نسأل ونحن نتابع المشهد عبر الإعلام الجديد: من نسف من؟!

من يدّعون الإصلاح أم من يدّعون الليبرالية أم من يدّعون الواقعية؟!

أم أنها مجرد حروب شتائمية تعكس ضحالة معظم السجال الدائر، وتشير إلى فقر في الإيمان والقراءة والأخلاق أيضا، وتحيل إلى أمراض مجتمعات وأزمة ثقافة وأمة!

لكنْ حقيقةً ما الذي نُسف؟!

وهل لدى الشباب في جامعاتنا، الشباب الذين يعول عليهم في بناء أي وطنٍ أو حضارة أسئلة؟

وهل يبحثون بجد وشغف عن إجابات؟

هل تثير فيهم المناهج والمحاضرات ذلك؟

أم هم يسيرون على نفس النسق، نسق التعليب والببغائية؟

هل احتضناهم، أم نحن من ساهم في تغريبهم؟

لقد بنى الغرب حضارته وما حصد من منجزات على تراث أثينا وروما، ولا يزال يعيد رسمه ونحته ومسرحته، ويستلهمه في موسيقاه وكافة فنونه، وكان استلهمه، وما أخذ منا عبر الرياضيات والفيزياء والكيمياء والطب، لبناء مشاريعه وبحوثه العلمية الضخمة: أي حضارته الحالية.

بل إنه استلهم حتى الآداب والفنون والمعمار والريّ..

فماذا فعلنا نحن غير الدوران في نفس الدوامة منذ قرنٍ تقريباً!

صراع وحروب نخبٍ، تبعه دخول معظم أفراد المجتمع في التنظير والإفتاء والتزكية والتكفير، عبر وسائل الوسائط الاجتماعية، فكلٌ يدعي العلم بكل شيء على جهل.

غير متشائمٍ تماماً، ولكنني لستُ بمتفائلٍ كثيراً، لأنني في النهاية نتاج كل ما حدث من فوضى وحروبٍ وخريف، نتاجُ ما قادَ لكل ذلك، مع أنني غير شريكٍ فيه، فلا نداء سُمع، ولا صرخة استجيب لها، لقد كنا مجرد شهودٍ لما سيُدوّنُ عن ألاعيبَ وأكاذيبَ لا تنتهي.

إن جل ما يفعله الشعراء والمثقفون اليوم في الغالب هو طرح مشاريعهم الفردية في ظل غياب العمل الفكري والثقافي المنظم إنْ على مستوى الجامعات أو على مستوى الدول، وفي ظل هذا التهاوي السريع للأوطان، وللتيارت من يمينها إلى يسارها، وظهور مدى هشاشة ما بُنِيَ، وما بُني عليه، مع ظهور الإرهاب والقوى الإرهابية، واحتلالها، لا عقول نسبة كبيرة من شبابنا فحسب، بل احتلال نسبة كبيرة من البقع الجغرافية على امتداد الأوطان العربية والإسلامية!

ونظلّ نحن الأسرى، أسرى التدوين.. وأسرى مخرجات التلقين، والتعتيم!

فهل ما دُوّن في ثقافتنا العربية هو مثالٌ وكمالٌ خالص؟!

أم أنّ ما سيدوّن، وما تفرزه الثورات الهوجاء والحروب الداخلية هو الخلاص والملاذ الأخير؟!

لقد أصبحنا كقصة الغراب والحمامة، لا نحن هناك ولا نحن هنا، فإما انقطاعٌ تامٌ عن الماضي، وإما انقطاعٌ تامٌ عن الحاضرِ، وبالتالي فقْدٌ لأيّ دورٍ في المستقبل.

لقد نسي بعضنا هويته ولغته، ونسي بعضنا دوره في البناء وحجْز مكانٍ متقدم بين الأمم، والمشاركة في علاج أمراض الإنسان والطبيعة، والمساهمة في دوران عجلة التقدم لوطنه، ولما يخدم البشرية.

لقد نسينا بالفعل، أو نسي كثيرٌ منا، في زحام الثقافة والتقنية جذورنا، كما نسينا عظمة فكرنا وشعرنا وذائقتنا..

وقد ساهمت الدول نفسها في ذلك، بل هي ساهمت في تدمير ذاتها، وتعطيل قدرات أبنائها، عبر تعطيل حرية التفكير والتعبير، وعبر الأحادية لا التعددية، وعبر تعطيل الحوار، وعبر تعطيل الفكر، وترسيخ نمطية التعليم والإعلام الاحترازية، فكان من السهل اختراق الشباب، وتوجيههم، والتحكم في عقولهم حتى عن بعد، وهيمنة الجماعات الإرهابية على أجزاء لا يستهان بها من دولٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ كثيرة.

لقد سعت بعضُ السلطات العربية إلى تكريس السلطةِ وإلغاء المواطنِ الذي رأت فيه عبر أجهزتها الأمنية عدواً أخطر من إسرائيل، فانحاز بعض المواطنين إلى أي تغييرٍ ولو كان سيئاً، بل انحاز إلى إسرائيل في بعض الحالات كما في لبنان في فترةٍ ما.

لا شك أن لذلك أسباباً خارجيةً كثيرةً وخططاً وبرامج معروفة، تهدف إلى تجزئة الدول العربية، وتمزيقها، وتقويض نسيجها الداخلي وقدراتها الاقتصادية والعسكرية، فلا ننسى الفوضى الخلاقة، ومشروع اليهودي برنارد لويس لتقسيم العالم العربي، وهي مشاريع تصب في مصلحة الكيان الصهيوني وحلفائه، إن لم تكن من إبداعه.

لكن الدول نفسها ساهمت في ما آلت إليه هذه الأوطان، لأنها لم تحصن مواطنيها.

لقد استخدمت دولة كبيرة كمصر في عهد السادات مثلاً جماعاتٍ بعينها لضرب المثقفين، وضرب المعارضة.

وبينما كانت تسعى عبر كامب ديفيد للانفتاح الكلي، كانت في الحقيقة تسيرُ مدركةً أو غير مدركةٍ عبر سياساتها وإعلامها إلى انغلاقٍ تام.

والعكس صحيحٌ بالنسبة لدولٍ أخرى.

لكن النتائج الكلية كانت واحدة، وهي سرعة تفكك المجتمع، وانهيار المؤسسات، وسهولة الاقتتال بين الفئات والجماعات والأحزاب، وانتشار الفتن والفساد، وتدمير البنى التحتية، وانتهاء وجود الدولة كدولة تماماً، وصعود تيارات وشخصيات لا علاقة لها بالسياسة أو الحكم لكنها تسوس وتحكم ما اقتطع من هذا البلد أو ذاك، وأحياناً البلد كله، وهي في الغالب تيارات وشخصيات مرتبطة بالخارج لا الداخل كما هو حال العراق واليمن، أو هي جهاتٌ تكرّس مصلحة الحزب أو الجماعة على حساب الوطن.

وهكذا ظهرت الجماعات الإرهابية بقوةٍ مع الفراغ الذي ساد والضعف الذي تمكّن..

واليوم ونحن نبتلى به، علينا أن ندرك أنه ينبغي أنْ لا تقفَ محاربة ظواهر الإرهاب والتطرف والطائفية والتكفير في أوطاننا عند محاربة النتائج كرداتِ فعلٍ على أعمالٍ إجرامية، ولكنها يجب أن تتعدى ذلك، بل تسبق ذلك، بمعرفة الجذور عبر قراءات متأنية وعميقة للأسباب في التعليم والاقتصاد والظروف الاجتماعية وغيرها، لاجتثاث هذه الأمراض اجتثاثا.

كما ينبغي أن تؤصل مفاهيم كالوحدة الوطنية، وثقافة الحوار، والتسامح، وقبول الآخر، ونبذ التطرف والإرهاب والتكفير والطائفية، وأن تكون ضمن المناهج التعليمية، والخطط الإعلامية، وكذلك أن تكون حقول بحث وحوار وتداول ورسائل جامعية.

لا بل إن معرفة الأطفال بقيمة الوطن، وزرع حبه والحفاظ على مكتسباته ووحدته وأمنه ضرورةٌ قصوى.

ولا ننسى قراءة ما يجري في الدول العربية والإسلامية، بل حتى ما يجري في أوكرانيا مثلا، والاتعاظ به، وأخذ الدروس والعبر منه، فهذا أمرٌ ملحّ وفي غاية الأهمية.

اللهم احفظ هذا الوطن وأهله، وسائر أوطان العرب والمسلمين.