الأحد 22 يوليو 2018


جلدٌ جميلُ المحيا كاملٌ ورع/ وللحروب غداة الروع مسعارُ



تلك هي عظيمتنا الخنساء ، السحابة المانحة، ولو كان دمعاً، لكنه دمع الحزن النبيل، والشعر الرفيع في رثاء حمال الألوية أخيها صخر. وهذه هي اللام في تكرارها الشجيّ سبع مرات، وكأنما هو ديدن اللام، ولا أعظم من تكرارها في لفظ الجلالة: الله، فسبحان الله. وهي في الشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.  صلى الله عليه وسلم. وهي في هذا البيان والجمال والجلال والإخلاص: ( قل هو الله أحد* الله الصمد* لم يَلد* ولم يُولد* ولم يكن له كفواً أحد ). وهي في الخالق والخلق، وفي البيت، وآل البيت، وأهل البيت. واللام شمسيةٌ وقمريةٌ إلا لدى أهل العراق الذين يقلبون استخدامهما، فيخلطون الليل بالنهار. واللام كائنٌ يحب الحركة والإيقاع، كما في الليل والليالي، والليلك واللغة، واللؤلؤ واللآلئ، ونستلطف ونستظرف ونحب ذلك فنخفف: ونسمي ونقول: لولو.. للإنسان الغالي، للمرأة الغالية العالية.. كما نسمي ونصف المعرفة، والصديق، والعالِم بالكنز.


ومن المفيد أن نقول هنا إن اللؤلؤ مختلف عن كل ثمينٍ غالٍ، من حيث المنشأ والولادة، فهو نبيل النبع والأصل، فموطنه البحار والمحيطات، وحضنه وداره الصدف، خلاف الذهب والألماس اللذيْن يُستخرجان من التربة والكربون.
واللام جميلة في إيقاعها، وتزداد جمالاً في تكرارها، كما في أعلاه، فنحصل على لوحات فنية منغّمة، كما هي الحال في أخواتها النون، والميم، وهي سهلة على اللسان، وجميلةٌ في كل مواضعها سواء أكانت تعليلاً أو توكيداً أو نهياً أو نفياً، ومن ذلك هذا الثناء العالي للفرزدق على الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وهو ابن ابنة الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، فاطمة الزهراء، فجدّه محمد الأمين:   
ما قال: لا قطّ إلا في تشهّدِهِ/ لولا التشهّد كانت لاءَهُ نعمُ.                               
ومن جمالها النهل فالتوق للعَلل، ومن سلسبيلها الغزل الذي يذيب أهل الهوى فيهيمون، ويقتربون من الجنون، ولا أشهر من ليلى ومجنونها ابن الملوّح:

أَلَيسَ اللَيلُ يَجمَعُني وَلَيلى/ كَفاكَ بِذاكَ فيهِ لَنــــا تَداني. 
تَرى وَضَحَ النَهارِ كَما أَراهُ/ وَيَعلوها النَهارُ كَما عَلاني.

وها هي اللام رفيقة العشاق في تكرارها البديع لدى جميل بثينة: أصلّي فأبكي في الصلاة لذكرها/ لي الويلُ مما يكتبُ الملكانِ. غفر الله له، ولها، ولنا.
وأنا ميال في لغتي وشعري لهذا التكرار الذي ينثال فطرياً، وعبر الدربةِ: ففي مرثية سارة: فلا تقلقي، لا تخافي على/ سلالتــك الحرة النادرة. وفي ملاك: اجلسي يا شقيّهْ/ واخلطي الأحرفَ العاليات برأسي/ والعبي باللغةْ/ كي تكون القصيدةُ موّالَ عينيكِ/ عاليةً وبهيّةْ/ نسّقتها يداكْ.        
وفي المرثية الرابعة: مشيــــــتُ فلا أهلاً حلَلْتُ ولا سهلاَ/ وعِشتُ فلا حيّاً، ومتّ فلا أبلَى.
واللام في العقل والعلم والعمل والفعل، وهنا الكمال: ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ). العلم به، والعمل به، وتعليمه والتواصي به، والصبر على كل ذلك.
وهي في التمني: لو، وليت، وفي الإذعان والانقياد والطاعة والقبول: لبيك اللهم لبيك، وهي في التجنّي: ظلْم، وفي التأنّي: حلْم.
وهي في المثنّى: اللذان واللتان، وهي مخاتلةٌ في اللهو واللعب والهزل، وقاتلةٌ في الاستكانة والذل، وعاليةٌ في الجد والحدّ والنزال والقتال والمطاولة والصولات والجولات والبطولات. وهي طويلةٌ في البذل والنخل، والنخلةُ لِينة، قليلةٌ في البخل، عليلة في الهواء، ثقيلةٌ في الملل، كحيلةٌ في العيون، مليحةٌ في الوجه، نبيلةٌ في الُّلُحمة التي نسألها الله لأهلنا ولأمتنا في هذه الظروف والمحنِ القاتلة، والمؤامرات اللعينة.
وما كلّ نعَمٍ بنعْمةٍ، بل قد تكون النقْمة بعينها، وحينها تكون لا ضروريةً ومطلوبةً، وهي كذلك في هذه الأوقات العصيبة تحديداً، فلا للاحتلال والحروب والعدوان، ولا للديمقراطيات الزائفة، ولا للفوضى الخلاقة بزعمهم، ولا للظلم، ولا للقتل والأسر، لا لتعذيب الأسرى، ولا للسجن دون جريمة، ولا لسجون الحرية والآراء، ولا لتكميم العقل والأفواه، ولا للاغتيال، لا لكاتم الصوت كما قال الفنان ناجي العلي فاغتيل، ولا للكراهية والحقد، ولا للاعتقال والقتل على الهوية، ولا للتزييف والتعطيل والتسويف، ولا لاضطهاد العمالة، ولا للفتنة بكل أشكالها، ولا للعصبية القبلية، ولا للطائفية، ولا كبيرة مريرةٌ لتمزيق الأمة بثورات العنف والجهل، تمهيداً لتخريبها واحتلالها عسكرياً أو اقتصادياً أو ثقافياً، أو إلحاقها بهذا الحلف أو ذاك.
بقي أنْ نقول إنّ النهلَ هو الشرب الأول، أما العَلَلُ فالتشراب الثاني، وها هو الشاعر المختلف مظفر النوّاب، اتفقنا معه أم اختلفنا، بعد أن نهَلَ واعتلّ: تعلّلَ فالهوى عَلَلُ/ وصادفَ أنّهُ ثمِلُ.         
هكذا هي اللغة العربية الأعلى والأغلى، لذلك نجد قرآنها مرتلاً ترتيلاً، ونجد بيانها، وخطابها وشعرها، مموسقاً في ذاته، لتناغم حروفها، وعبقرية وتناسق رسمها وبنيانها، ولذلك فُضلتها على لغات العالم تفضيلاً جليلا، ونمَتْ في داخلي كروماً ونخيلا، فتأملت فيها تأملاً طويلا، وقرّبتها وقبّلتها تقبيلا، وأقمت في ظلالها العمر: بكرةً وأصيلا، وامتدحتها مديحاً عالياً نبيلا، ولمْ أكُ بهايوماً على أهلي بخيلا، نذراً عليّ لا أرى في غيرها بديلا: 
قلت هذي هي العربية تسعى إليّ وتشكو
فقبّلت مهجتها, وأخذت برفقٍ يديها،
وأجلستها فوق روحي،
فسالت جروحي،
وفاض المدادُ بأنبلِ ما يصطفيهِ الفؤادْ.

* بوح الذاكرة والقلب بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية 23/1/1433.