الثلاثاء 16 أكتوير 2018

 

 


جئتكم من سبأٍ بنبأٍ، وعند جهينة الخبر اليقين:

فقد وجدتُ أنّ للباء مقاماً، ومكانةٌ عاليةً لدى الحروفيين والتشكيليين والمتصوفين، وبحراً عند اللغويين والنحويين. وهي في الرب الوهاب التواب المعبود، وفي العابد التابعِ، وفي الغالب والمغلوب. وهي في النبوّة والأنبياء المنذرين المبشرين، وهي في إبليس المُبعَد، شيطان الشر والمكر، والنار ذات اللهب. وهي في النباهة والنجابة وبهجة المهج، وهي في البلاهة والبلادة، وهي في التبر، وهي في التبن، وهي في البر، وهي في البحر، وهي في البكر والبكور، وهي في غروب الشمس والعمر، وهي في البلوغ للقمة والغايات، وهي في الهبوط للقاع والنهايات.

والباء هي « الحرف الثاني في الترتيب الهجائي والترتيب الأبجدي، والسابع والعشرون في ترتيب الحروف على مخارجها، على اختلاف بين اللغويين في هذا الترتيب وموضع الباء منه. وقيمته العددية في حساب الجمَّل اثنان.

والباء من الحروف الشفوية الصُّتْم والمُذلَقة، وهي حرف مجهور شديد منفتح مُسْتَفِل (منخفض) مقلقل. ويكون في الكلمة فاء وعيناً ولاماً، نحو بئر وصبر وضرب. وهي حرف من حروف الجر، ولها معان كثيرة تصل عند بعضهم إلى خمسة عشر معنى وهي: الإلصاق، وهو أصل معانيها، نحو: أمسكت بزيد، ومررت به. والتعدية (النقل) نحو: ذهب بماله أي أذهبَه. والاستعانة مثل: كتب بالقلم. والسببية (التعليل) نحو: ظلمت نفسك بفعلك، والمصاحبة (الحال) نحو قوله تعالى: (اهْبِطْ بِسَلام). والظرفية (بمعنى في) نحو قوله تعالى: (ولَقَدْ نَصَرَكُم الله بِبَدْرٍ)، والبدل نحو: ليت لي بهم قوماً آخرين، والمقابلة (العوض) نحو: اشتريته بألف، والمجاوزة بمعنى عن، نحو: سألت به خبيراً، والاستعلاء نحو: أمنته بمالي. والتبعيض (بمعنى من) نحو: شربت بماء البحر، والقسم، وهي أصل أحرفه، نحو: بالله لأفعلنّ، بك لأفعلنّ، والغاية (بمعنى إلى) نحو: أحسن بي. والتبيين نحو: مرحباً بك، والتوكيد وهي الزائدة. وقد زيدت في الفاعل، وزيادتها فيه واجبة في نحو أكرمْ بزيد، وغالبة في نحو قوله تعالى: (كفى بالله شهيداً)، وضرورة في نحو قول قيس بن زهير:

ألم يَأتيك والأنبَاءُ تَنمي

بِمَا لاقَتْ لَبُونُ بَني زِيَادِ

وزيدت في المفعول، وهي زيادة غير قياسية، في نحو قوله تعالى: (وهُزِّي إليكِ بِجذْعِ النَّخْلةِ)، وقوله (ولا تُلْقوا بأيْديكُم إلى الَّتْهلُكَة). وزيدت في المبتدأ إذا كان كلمة «حسب « نحو: بحسبك درهم، أو كان بعد إذا الفجائية نحو: خرجت فإذا بزيد. وزيدت في التوكيد بالنفس والعين مثل: جاء بنفسه، وزيدت في خبر ليس وما، وهي زيادة قياسية، نحو: ليس زيد بقائم، وما هو بنائم. وزيدت بقلة في خبر لا النافية، نحو:لا شيءٌ على الأرض بباقٍ، وفي خبر كان الناقصة المنفية، نحو: لم يكن الرجل بكريم، وفي المفعول الثاني للأفعال الناصبة لمفعولين أصلهما مبتدأ وخبر نحو: لم أجده بلئيم. وندرت زيادتها في خبر الأحرف المشبهة بالفعل إن ولكنَ وليت، كقول الشاعر في إنَّ: فإنك ممَّا أحدثت بالمجّربِ، وقوله في لكنّ: ولكنَّ أجراً لو فَعلْتِ بهيَّنٍ، وقوله في ليت: ألا ليْتَ ذا العَيْشَ الِّلذيذَ بِداِئمِ.»*.

والباء مفتتحٌ فهي بسم الله، نعبده، وبه نستقيم ونستعين، طالبين مغفرة غافر الذنب، ورحمة قابل التوب، راغبين في ثوابه، فارين إليه، راغبين عمّا سواه. وهي مبتدأ في بادئ ذي بدء، وبادي الرأي. أما بداية نشأتها وجذرها « فلا يستبعد أن تكون الباء مشتقة من بايت في العبرانية والسريانية.. بمعنى بيت لأن رسمها كالبيت.»*. والباء في الحُب والقلب.. وأجمل وجودها في الأبواب، باب الأسئلة، وباب المعارف، وباب السعادة، وأبواب المدن، والكتب والتاريخ والجغرافيا: «ببابِك أوقفت عينيّ ثم ارتحلتُ/ فأنّى حللتُ تبدّى ليَ الحسنُ باباً/ تبدّتْ ليَ المدنُ الأخرياتُ دخانْ.».

وللغة باب: « باب اللغة عظيمٌ/ والبوّابُ عنيدٌ/ أوقفني ومضى يتفرّسُ في وجهي: اذهبْ»، « لكنك والبوابُ عنيدٌ تسمح لي..». وكل الأبواب التي نتمنى كباب المغفرة والرحمة والرزق، وباب السلام، وأولها باب الحب الذي يفتح كل باب، فتحب الله ونبيه، وتحب الخير، وتحب وطنك وأهلك. والباء في اللب العقل والجوهر. وفي الرزق البركة، وفي الواجبات والطاعات وحسن الخلق والطباع البر. وهي في الحرب التي تخلف الجرحى، وفي الطب الذي يعالج المرضى والجروح. وهي في السنبلة والسنابل والحَب غذاء البشرية، وهي في القنبلة والقنابل فناء العالم. وهي في القبلة علامة الحب والحنان والمواساة والعطف، وهي في نبال البغض والغدر والقتل. وهي في البخل وليد الشح، وهي في البذل وليد الإيمان والإحسان والكرم. وهي في البتر والقطع، وهي في الجبر للعظم والخاطر. وهي في البن جوهر القهوة العربية والضيافة والتجمع واللقاء والحميمية والدفء، وهي في البين الفراق والدموع. وهي في الغياب والذهاب، وهي في ا لعودة والإياب، وهي في البعيد الغريب، وفي القريب الحبيب، وهي في البرق والأبيض، وهي في الشحوب والكروب والذنوب، وهي في السحاب: الرحمة والغيث والثواب والخضار والعمار والحياة، وهي في اليباب والخراب: الموت والدمار.

وهي في لباس الناس، ولباس التقوى خير، وهي في الجار ذي القربى، وفي الجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وقد جعل الله الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا.. وهي في الشباب، والشيب، وفي الإنجاب والبذار والنبت والإنبات والبعث، وهي في أمم أنبتها الله وسادت فسكنت البروج المشيدة والبيوت، وبادت فاحتوتها البيد والقبور.

وهي في برد الانتظار، وقلب البريء، وبراءة المتهم حتى تثبت إدانته، وبؤس الحيارى والأسارى والمظلومين، وبأس الجبارين، ويباس الأرض والقلوب، وبياضها وترطيبها بذكر الله والدعاء.

وهي في الأسماء باب: فربابٌ ربة البيتِ، وبدر وبدور هوى العشاق والشعراء، وبان وبنان وبيان وبراء وبهية وبلال وبرهان وبهاء، وتبّع وبلقيس وصبا وبتول، وبديعة وبديع، وباهلة وبارعة، وفي الجديد بندر.

وهي حبيبةٌ قريبةٌ لدى الشعراء: كبائية أبي تمام في فتح عمورية:

السيف أصدق إنباءً من الكتبِ/ في حده الحد بين الجد واللعب، بيض الصحائف لا سود الصحائف في/ متونهنّ جلاء الشك والريّبِ. وفي بائية شوقي: سلوا قلبي غداةَ سلا وتابا/ لعلّ على الجمال له عتابا. وينابيع أخرى لا تنضب، لا ننسى منها بائية أبي الطيب المتنبي: يا أختَ خير أخٍ، يا بنت خير أبٍ/ كناية صبهما عن أشرفِ النسبِ، ومنها، ولعله واقع الحال اليوم: أرى العراق طويلُ الليل مذ نُعيت/ فكيف لَيلُ فتى الفتيان في حلبِ؟، والبيت الشهير: فإن تكن تغلب الغلباء عنصرها/ فإن في الخمرِ معنى ليس في العنبِ. وبيوت الشعر والبيان خمر وسحر، خالدةٌ لا يكرّ عليها الزمان فتبلى، وهي لا تكلّ، ولا تُملّ، لا هي بليل أبي الشعر والشعراء امرئ القيس الثقيل الطويل، ولا هي التي تنوء بكلْكلِ.

نطلب البارئ واهب البصر والبصيرة، باعث الأنبياء بالبصائر، أن يهبنا الإبانة والبيان والأدب والبلاغة والبديع وفصل الخطاب، والكلمة الطيبة تلك التي كالشجرة الطيبة، وأن يبعد عن قلوبنا وطباعنا الكذبَ والبخلَ والكبْرَ، بئس الطباع هي، واللبسَ أنْ نبْلسَ، وأنْ يحميَنا جميعاً من البأسِ والبأساءِ، وكلّ بؤس، وأن يحفظ الطيبين والطيبات، إنه قريبٌ مجيب.

* بعض بحث، وبعض بوح بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية 23/1/1433.

* الموسوعة العربية، *محيط المحيط.

المقاطع الشعرية المقوسة للشاعر كاتب المقال.