الجمعة 17 أغسطس 2018
لا أحد يفهم أمريكا، وأولهم الأمريكيون أنفسهم.
ولكن رجلاً أسوداً فهم أمريكا البيضاء، لا بنصاعة وبهاء أخلاقها ومثلها، ولكن البيضاء بتفكيرها الاستعماري، وتعاليها على العالم.
وفي العقود الأخيرة هبطت سمعة أمريكا إلى القاع، ثم هبط اقتصادها هبوطاً مفزعاً جرّ وراءه اقتصاد العالم نحو الخراب.
ولم يمر على أمريكا أسوأ من السنين الثمان العجاف التي تمثل ولاية بوش الأرعن.
فخسارتان فادحتان في العراق وأفغانستان، وكراهية عنيفة لدى شعوب العالم في كل مكان، ولا ننسى هنا حملة كولن باول الشهيرة، بميزانيتها الضخمة لتحسين صورة أمريكا البشعة في عيون الشعوب التي تعودت على مشاهد القتل والدمار التي تخلفها وحليفتها إسرائيل حيثما حلّتا.
لقد نجح الرجل الأسود أوباما بن حسين في الوصول إلى قمة الهرم الأمريكي بدعوى التغيير، وأمريكا بالفعل بحاجة للتغيير، ولكن من الجذور لينعم العالم ولو ببصيص أمل بالأمان، بعيداً عن الحروب والقتل والدمار، وكل الأحقاد التي امتلأت بها قلوب آل بوش، ومحافظوهم الجدد..
فهل يستطيع الرجل الأسود محو السواد الذي كسا به بوش الأبيض البيت الأبيض؟!
فالعالم كل العالم يضغط لوقف الحملة الأمريكية على العالم، ومنها حروب التصفية وقتل المدنيين واحتلال البلدان وتهجير أهلها، وجعلها قاعاً صفصفاً بيدها تارة، وبيد إسرائيل تارة أخرى..
وما مجازر غزة الأخيرة، على بشاعتها، إلا مثال بسيط على النموذج الأمريكي لسياسات بوش الرعناء، ومندوبه في الأمم المتحدة الذي يعتبرها دفاعاً عن النفس، بينما تمد أيديهم الأخرى إسرائيل بالأسلحة المحرمة دولياً.
وسعودياً يظهر هذا البعد، بُعد رغبة التغيير، ويتجلى ذلك في خطاب الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة الكويت، وفي مقال الأمير تركي الفيصل في صحيفة الفاينانشال تايمز، وحواره مع قناة السي إن إن، وهما مؤشران على ضيق الدنيا بسياسات أفنت البشر والشجر وحتى الحجر، واستجابة لضغوط الشعوب العربية والإسلامية التي ما عادت تريد سماع جملة تضم أمريكا، ومن قبل إسرائيل.
ولقد بدا خطاب أوباما الأخير عاطفياً ومؤثراً، سواء من جهة انتقاده للسياسة الأمريكية، وتوصيفه الدقيق للانحدار الذي وصلت إليه أمريكا، أو من ناحية قراره بالانسحاب من العراق.
المهم الآن هل سيفي أوباما ولو بشيء من مبادرات التغيير التي وعد ففاز بها، حتى وإن كانت أقل من المطلوب عالمياً، أم أنه حال دخوله المكتب البيضاوي ستتناهشه الأقطاب المترهلة، وستجرفه كاسحات الثلوج، وعصابات واشنطن المعروفة التي لا يطيقها الأمريكيون، ويعرفون خرابها وويلاتها، وكم قد جرّت عليهم الويلات..
ثم هل سيسلم أوباما من رصاصة أبيض أهوج من سلالات من كانوا يمنعون السود من دخول المطاعم؟!
كلّ هذا وغيره في علم ربٍّ لا يفرق بين أبيض وأسود.
أما نحن فكل ما يهمنا أن لا يتحول أوباما وهو ابن الحضارة الأمريكية المتطرفة في نهاية الأمر، إلى متطرف أبيض، بمجرد سكناه في البيت الأبيض الذي لم ير منه العالم سوى دخان الغارات والغازات السامة والدمار الأسود.
والطريف في الأمر لتخفيف ثقل الموضوع على قلوبكم، وكل ما هو سياسة اليوم ثقيل، هو رؤية ديك تشيني نائب بوش، وهو ريتشارد بن بروس، ربما تيمناً بريتشارد قلب الأسد الصليبي، المملوء بالحقد على كل ما هو عربي
وإسلامي، وقد كان يحرك الجيوش والطائرات صوبنا، إذ يغادر البيت الأبيض على كرسيٍّ متحرك.