الجمعة 17 أغسطس 2018
  

يمتدحُ بابلو نيرودا في قصيدته " فليستيقظ الحطاب "أمريكا الشمالية، ويصفها كما يصف المرء وطنه.
ويجوبُ ولاياتها بشعرٍ أخّاذ يمجد فيه الشعب، العامل والفلاح يمجد فيه الصناعة والمصانع، يستمع إليها " :إلى أغنية الآلة التي تغزل
وملعقة الحديد التي تلتهم الأرض
والثاقبة ذات العنق، كعنق الكندور"1
وإلى كل ما يقطع...

من كائنات وعجلات تكرر ذاتها وتتوالد."
وهو يحبها هكذا جميلة، عاملة متواضعة ومسالمة:
" إنها وداعتك التي نحب، لإقناعك
فليس جميلاً أبداً وجهك المحارب
نحن نحب إنسانك ويديه الحمراوين الملوثتين بوحل أوديجون
ونحب ابنك الأسود الذي يحمل إليك النغم،
النغم المولود في وطنه العاجي"
وإضافة إلى المدينة والقرية والعسل الصافي والشوفان
" إن ما نحبه يا أمريكا هو دمك العامل
ويدك الشعبية الملطخة بالزيت."
لكن إن هي خرجت لتعتدي، وتشن الحروب فسيتغير الوضع تماماً:" سنخرجُ عندئذٍ من الصخور والهواء لنعضك بأسنانناسنخرج من النافذة الأخيرة لنصبّ عليك النار
سنخرج من أعماق الأمواج لنسمّرك بالأشواك
سنخرج من الثلم ليصفعك الزرع كقبضة كولومبوس
سنخرج لنحرمك الماء والخبز، سنخرج لنحرقك في نار جهنم. "
وهكذا يمتدح الشاعر التشيلي اللاتيني العملاق أمريكا. ولكنه يحذرها، يحذر جندها، أو بتحديد أدق: يحذر عصاباتها من أن « تسيطر على الموسيقى والنظام الذي نحب" يحذرها من ويلات الحرب وما ستجده من مقاومةٍ أينما أرسلت جندها: من فرنسا إلى اليونان
إلى إسبانيا إلى فنزويلا إلى إيطاليا إلى المكسيك
إلى كوبا .. إلى بلغاريا إلى روسيا إلى الصين
" فكل حجرٍ ندوسه هناك سيستحيل لهيب نار"
و " حذار أن تضيع في غابات الزيتون
فإنك لن تعود أبداً إلى أوكلاهوما" 
وأينما ذهبت: " فلن تواجهك سوى نظرة قاتمة، و صرخة واحدة تحملك على أن تقتل أو تموت".

إنه يحذرها من العالم الذي لا يتقبل الطغاة،
ويصور لها المصير الذي ستلقاه.
ثمّ في نقلة بارعة جميلةٍ يختفي كلّ ذلك:
" لا كان شيء من هذا وليستيقظ الحطاب.
ليأت إبراهام بفأسه وإنائه الخشبي
فيأكل مع القرويين..
وليدخل الصيدليات ليشتري، وليركب الأوتوبيس
إلى تامبا، وليقضم تفاحة صفراء، وليدخل
إلى السينما، وليتحدث إلى الناس السذج البسطاء ليستيقظ الحطاب
لتطلّ الأخوة والمساواة.. ليطلّ السلام
السلام للأحياءِ جميعاً، السلام لكل أمواه الأرض
وبلاد الله"
لأنه " لا يريد أن يعود الدم ليبلل الخبز،
واللوبياء الحمراء والألحان"
إنه يريد:
" أن يأتي معي عامل المنجم والطفلة والمحامي والبحار وصانع الألعاب ولندخل معاً إلى السينما"
" فأنا لم آت لأحل مشاكل الأرض، بل أتيت إلى الدنيا لأغني، ولتغني أنت معي"
وبابلو الذي طوّف بنا العالم في قصيدته الطويلة الرائعة " فليستيقظ الحطاب" منتشياً بالطبيعة في كل مكان، ممتدحاً خصال الشعوب العاملة الساعية للحرية الراغبة في السلام والمساواة، المستعدة للحرب من أجل إحقاقها ضاماً إليها أمريكا التي يحب، أمريكا الباذلة لا القاتلة، فليس بجميلٍ أبداً قناعها.. وجهها المحارب، لأنه يحب الأرض كل الأرض، والناس كل الناس ويمجد التضاريس الجميلة، والخصال النبيلة.
لأنه الشاعر والمغني وشاعر السلام والمحبة.. ألم يقل " أنا لم آت لأحل مشاكل الأرض. بل أتيت إلى الدنيا لأغني. ولتغني أنت معي".
ولكنه الغناء المُغْني. الغناء للأرض. غناء الأرض:
" أنا لا أريد أن يفكر بي  أحد
ولنفكر جميعاً بالأرض كلها
ونحن نطرق، بحب، الطاولة أمامنا".
والحقيقة أن هذا التشيلي الجنوبي الرافع صوته ضدّ الظلم والحرب والاستغلال والاستعمار بوجهه وقناعه، فكر في أمريكا الشمالِ طويلاً وخاطبها عن معرفة، وعن محبة..
ألم تر أنه حتى طَرْق الطاولة التي أمامنا يجب أن يكون بحب.
ومن ذلك أنه أرادها شعباً واحداً تتساوى فيه الأعراق فساوى بين مواطنها الأبيض بيديه الحمراوين الملوثتين بوحل «أوريغون»، و«ابنها الأسود» الذي يحمل إليها النغم المولود في وطنه العاجي.
ولقد أراد «بإبراهام» أن ينتضيَ الفأس
من زناد شعبه: " ضدّ المستعمرين الجدد.
ضد السوط الذي يلسع العبيد، ضدّ سموم
المطبعة، ضد السوق المدماة التي يريدون أن يقيموها.
لينطلقا معاً الفتى الأبيض، والفتى الزنجي
لينطلقا باسمين هازجين، لينطلقا ضدّ
جدران الذهب، وصانعي الضغينة، ضدّ
المتاجرين بدمائهم.
لينطلقا هازجين باسمين ظافرين
ليستيقظ الحطاب"
كما أنه غناها من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب
غنى أنهارها وصخورها، غناها بكل ما فيه، " وأسلم هواءها عينيه وأذنيه ويديه"
وأهدى السلام لكل ما فيها، لكل ما هو متحرك وساكن فيها:
فالسلام لنهر المسيسبي نهر الجذور.
والسلام لحديد بروكلين الأسود
والسلام واحد وهو يريده للعالم، ويريده لأمريكا إنْ أرادت.. ويريده بطبيعة الحال لتشيلي وطنه الأم:
" أعتذر فأنا عائد الآن إلى بيتي وأحلامي:
أنا عائد إلى باتاغوني2   حيث يعصف الهواء في الزرائب، ويرش الجليد على المحيط."
ورغم أنهم" في وطني يسجنون عمال المناجم
ويضع الجنود إرادتهم في أفواه القضاة"
إلا أنه يحب " حتى الجذور في وطني الصغير البارد"
" فإذا كان لي أن أموت. وإذا كان لي أن أولد ألف مرة.فهناك يحلو لي أن أولد"
هكذا خاطب نيرودا العالم، وأمريكا بالذات.
منتصراً للعدالة والحب، منتصراً للحياة:
" ما أنا إلا شاعر أُحبكم جميعاً
وأهيمُ في الدنيا التي أحب"
هكذا خاطب نيرودا أمريكا قبل خمسين عاماً!!

 __________________________________

1. الكوندور: النسر الأمريكي الضخم.

2. باتاغوني: مسقط رأس الشاعر.
* ترجمة: أحمد سويد.