الجمعة 16 نوفمبر 2018

قضايا

أعجبني مقال الدكتور عبد الله بن أحمد الفيفي (استلاب) في زاويته مساقات، في المجلة الثقافية لصحيفة الجزيرة ع 256 بتاريخ 14 شوال 1429، وهو يعاين فيه بحرقة قلبٍ، جروحاً غائرة تنهش لغتنا وهويتنا.
ويؤكد الفيفي في ختام مقاله على أن (اللغة موقف، اجتماعي ثقافي حضاري، وليست محض حروف وكلمات)، بعد أن أرجع في البدء أسباب استفحال الاستلاب اللغوي إلى: (أنها قد هانت لدينا أمور كثيرة، فنحن في الواقع لم نعد نلحظ مفارقات الاستلاب اللغوي والحضاري الذي نعيش فيه، من أصغر الأشياء إلى أكبرها، لأن المزاج العام أصبح شبه مغترب عن لغته وانتمائه وشخصيته) و (لقد تبلورت هناك تربية اجتماعية على استساغة ما كان غير مستساغ، وتطبيع ما كان غير طبيعي، والتسليم المتبلد بما كان من قبل محلّ التفات ونقد وتساؤل).

يتمتع بعض مثقفينا، أو من ولدنا لنجدهم هكذا، بقدرة عجيبة على التواجد في عدة أماكن في آن واحد، كما أن لدى نتاجهم نفس القدرة على الظهور في المطبوعات كافة مهما تناقضت، وكل وسائل الإعلام مهما تباينت وتنافرت، محلية أو مهاجرة أو وافدة.
ويعتقد من هم مثلي أن لهؤلاء نسخاً (فوتكوبيز) غير محدودة، إذ لا يعقل أن ترى الواحد منهم في عدة محطات تلفزيونية، وتسمعه في الإذاعة، وتراه منشوراً حتى على حبل الغسيل، ثم قد تراه في مجلس الشورى أو الحوار أو اللوردات مثلاً، وستجده حتماً في النادي الأدبي في جدة والرياض في آن، وجمعيتي الثقافة والفنون والمعوقين معاً، وحفل المدرسة وندوة الجامعة، وعلى نفس الطائرة، وعند إشارة المرور، وفي حفل الزواج الذي دعيت إليه ولم تذهب؛ لانشغالك بمحاولات فهم كيف استطاع هذا الأديب الأريب نسخ نفسه إلى هذا العدد الهائل المتنامي نملياً.

لذا تلاقي جيوشاً
من الخواء المزخرف

البردوني
 

ننظر حولنا متابعين هذا النتاج الهائل للأعمال الشعرية والقصصية والروائية، وما يتبعها من نقد، وما يجاورها من مقالات أدبية، ونتاج صحفي..
فماذا نجد؟!
وبم نعود؟!
نجد بشكل عام ركاما هائلا من الفوضى، والضعف، والتبلد، والبرود، والسخف.
ونعود بالألم والحسرة والانكسار.
حتى أننا لم نعد نعرف كنه الذي نقرأ، هذا إن استطعنا جمعه وقراءته.
وتحت أي اسم نضع هذه الكائنات المشوهة.
فلا القصة قصة،
ولا الرواية رواية،
ولا الشعر شعر،
حتى السيدة المقالة لم تعد سيدة محترمة، ولم تعد مقالة.