الخميس 13 ديسمبر 2018

قضايا

لا يشك عارفٌ أبداً في أثر الأزمة العالمية المالية الحالية الكبير على كل شيء، وعلى كل بقعة في هذا العالم الذي انتكست عولمته بصيغتها الأمريكية.
وإذا ما تمثل الأثر السلبي في خراب اقتصاد دول لا حصر لها، وإفلاس دول، وجهات مالية، وشركات، وبنوك، ورجال أعمال، وأفراد، وتعطيل مشاريع وبرامج لدول ناهضة، وفقيرة، فإن هنالك جوانب معرفية وثقافية وسياسية إيجابية، خصوصاً للدول العربية والإسلامية، والعديد من دول آسيا، وإفريقيا، وأمريكا الجنوبية، وغيرها من الدول التي كانت ولا زالت ضحية للظلم والابتزاز السياسي والعسكري والاقتصادي الأمريكي، وهدفاَ لسياسات غسل الأدمغة، والتضليل الإعلامي والدعائي عبر منظومات هائلة ومتشعبة من الإعلام الموجه الجليّ والخفيّ، ومنتجات تصب في خانته كمعظم الأفلام الهوليودية، والمسلسلات والبرامج التليفزيونية.

نعاني كمبدعين إن صحت التسمية وبشكل عام إلا من رحم ربي من فقر لا حدود له في جوانب أساسية وفرعية من الروافد التي تكوّن المبدع وتشكّله وتجعله قابلاً للحياة متأثراً ومؤثراً بها على نحو موجب.
ولو بحثنا لوجدنا أن لدينا عدة صنوف من الفقر مختلفة الألوان والدرجات، تفقد بتمازجها وتماوجها النتاج الإبداعي تلك اللمسة أو الضربة التي تجعله قابلاً للحياة والتجاوز والوصول إلى أماكن أقصى في الجغرافيا وفي التاريخ وفي الذاكرة.. ومن هذه الصنوف:
الفقر الاجتماعي والحياتي.
الفقر السياسي.

يقوم نفر من مستسهلي الإبداع وغواة الدهشة المصطنعة بسحب المشهد الثقافي اليوم بقوة إلى عصور الانحطاط وسنفترض حسن النية، ونقول عن جهل، وانسياق أعمى خلف رموز تافهة صنعتها مقولات فارغة، أو ظروف وظفوها لمصالحهم الضيقة: كالمراكز، والاغتراب.. والنفي.. والاخير لم يكن دوماً قَسْريا، بل كان في الغالب سلّما لاستجداء البطولات الوهمية.
ومتسولو الإبداع الجديد اليوم يشبهون أكثر ما يشبهون ناظمي الأمس، أي أن "إبداعهم" يقودنا إلى نقطة الصفر مرة أخرى محطمين ومطفئين بذلك جهود وإبداعات وحرائق أجيال من الكبار في مختلف المجالات الابداعية.

أعجبني مقال الدكتور عبد الله بن أحمد الفيفي (استلاب) في زاويته مساقات، في المجلة الثقافية لصحيفة الجزيرة ع 256 بتاريخ 14 شوال 1429، وهو يعاين فيه بحرقة قلبٍ، جروحاً غائرة تنهش لغتنا وهويتنا.
ويؤكد الفيفي في ختام مقاله على أن (اللغة موقف، اجتماعي ثقافي حضاري، وليست محض حروف وكلمات)، بعد أن أرجع في البدء أسباب استفحال الاستلاب اللغوي إلى: (أنها قد هانت لدينا أمور كثيرة، فنحن في الواقع لم نعد نلحظ مفارقات الاستلاب اللغوي والحضاري الذي نعيش فيه، من أصغر الأشياء إلى أكبرها، لأن المزاج العام أصبح شبه مغترب عن لغته وانتمائه وشخصيته) و (لقد تبلورت هناك تربية اجتماعية على استساغة ما كان غير مستساغ، وتطبيع ما كان غير طبيعي، والتسليم المتبلد بما كان من قبل محلّ التفات ونقد وتساؤل).