الجمعة 16 نوفمبر 2018

قضايا

ما هو الحوار؟!
حاورت نفسي، وأنا أتابع منذ سنوات، ولا زلت، كل هذا الصخب الصحفي والإعلامي الخارج من كل صوب حول الآخر أمريكياً كان أم إسرايلياً، أم زحلياً، والحوار معه، فوجدتُ أن الفكرة قد طُرحتْ وتشعبت، وسُعي إلى تطبيقها بلهاث وتهافت، وها نحن نراها بين إغماضة وإفاقة في كل عاصمة ومنتجع، ولعلني لن أضيف جديداً إلى ما أفـْضَتْ إليه كل تلك المحاورات حول الحوار، والتضارب الطبيعي للآراء من العامة إلى الخاصة، ومن الحكماء إلى الغوغاء.
الحوار من الفعل حار بمعناه رَجَع، محاورةً وحِواراً وحَوَاراً: جاوبَهُ وراجعَهُ الكلام فحاور.
والمحاورة من فعل رباعي كما أسلفنا: فاعل مفاعلة مما يعني اشتراك طرفين في الفعل، وتلك قاعدة، ولكن من الحق أنْ أذكر أنني استعدتها، وأنا أطالع كتاب "مجتمع يثرب " لخليل عبد الكريم صــ 16.

لا يشك عارفٌ أبداً في أثر الأزمة العالمية المالية الحالية الكبير على كل شيء، وعلى كل بقعة في هذا العالم الذي انتكست عولمته بصيغتها الأمريكية.
وإذا ما تمثل الأثر السلبي في خراب اقتصاد دول لا حصر لها، وإفلاس دول، وجهات مالية، وشركات، وبنوك، ورجال أعمال، وأفراد، وتعطيل مشاريع وبرامج لدول ناهضة، وفقيرة، فإن هنالك جوانب معرفية وثقافية وسياسية إيجابية، خصوصاً للدول العربية والإسلامية، والعديد من دول آسيا، وإفريقيا، وأمريكا الجنوبية، وغيرها من الدول التي كانت ولا زالت ضحية للظلم والابتزاز السياسي والعسكري والاقتصادي الأمريكي، وهدفاَ لسياسات غسل الأدمغة، والتضليل الإعلامي والدعائي عبر منظومات هائلة ومتشعبة من الإعلام الموجه الجليّ والخفيّ، ومنتجات تصب في خانته كمعظم الأفلام الهوليودية، والمسلسلات والبرامج التليفزيونية.

عندما تُنتهك المثل والأخلاق والقيم وتداس وتبصق..
عندما تكون الثقافة وعاء للشر والسموم، ويكون الفكر مسوّغاً لحروب الإبادة، وقلباً للحقائق، وتزويراً للتاريخ، والأدب والفنون تشويهاً للجمال، وانحداراً للقاع، وتتفيهاً لكل قيمة، والمعرفة سلاحاً للتدمير، والعلم أداة للفناء..
عندما تكون الكلمة بوقاً للكذب، والإعلام غسيلاً للأدمغة، ومخدراً للشعوب..
عندما تكون الحرية هي حرية القتل والاغتصاب وانتهاك حريات الآخرين، وتطوير مفهومها الحديث من سجن الأفراد إلى سجن الأوطان بلا حدود..
عندما يكون الرأي الحر هو أن لا يكون لشعوب بعينها رأي في كيفية تسيير حياتها، فيما تؤمن به، أو حتى فيما تتمناه لأجيالها القادمة..

يقوم نفر من مستسهلي الإبداع وغواة الدهشة المصطنعة بسحب المشهد الثقافي اليوم بقوة إلى عصور الانحطاط وسنفترض حسن النية، ونقول عن جهل، وانسياق أعمى خلف رموز تافهة صنعتها مقولات فارغة، أو ظروف وظفوها لمصالحهم الضيقة: كالمراكز، والاغتراب.. والنفي.. والاخير لم يكن دوماً قَسْريا، بل كان في الغالب سلّما لاستجداء البطولات الوهمية.
ومتسولو الإبداع الجديد اليوم يشبهون أكثر ما يشبهون ناظمي الأمس، أي أن "إبداعهم" يقودنا إلى نقطة الصفر مرة أخرى محطمين ومطفئين بذلك جهود وإبداعات وحرائق أجيال من الكبار في مختلف المجالات الابداعية.