الأربعاء 19 سبتمبر 2018

 

 

لسنا بحاجة إلى استعادة زهير بن أبي سلمى، وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ، ومتى تبعثوها تبعثوها ذميمةً، ولا إلى الحرب والسلام لتولستوي، ولا إلى القيامة الآن، ولا إلى الرابع من جولاي، لنستعيد ويلات الحرب، فنحن نعيش الحرب على جبهاتٍ متعددة منذ صرختنا الأولى، وابتسامتنا الأولى، ولثغتنا الأولى.. منذ الخطوة الأولى، والفهم الأول، والكتابة الأولى.

 

لم يكن لدينا وقت لالتقاط أنفاسنا من براثن الصدمات والقهر والكآبة والحزن، ومع ذلك حفرنا على الصخر بأننا أرواح تبحث عن الحق والعدل والمساواة في هذا العالم الظالم، وأن من حقها الخير والحب والجمال والسلام، وأنها قادرة على إنتاج كل ذلك رغم محاولات الأعداء الجادة والحادة عبر الحروب المنتظمة كدقات الساعة، المنظمة الظاهرة، والخفية طويلة المدى لقتلنا وسلبنا ونفينا وتشويهنا، تلك الحروب المفروضة علينا لإبقائنا خارج سرب الحب والجمال والسلام، خارج الحياة نفسها، وخارج الفعل الإنساني الموجب المثري.

 

ولما كبرنا وقرانا التاريخ والواقع، واحترقنا بهما، اكتشفنا أننا نقذف من فوهة بركانٍ إلى الذي يليه، فكانت جراحات فلسطين التي لا تندمل، وسورية ومصر ولبنان والعراق واليمن والسودان والصومال، وكانت حروب الاستقلال، والتحرر، متزامنة مع الحروب على الجهل والتخلف، والعادات والتقاليد الجاهلية الهجينة لا الأصيلة، ثم كان وعينا بحروب الطاقة، والاقتصاد، والماء، وحروب المعرفة والثقافة والاتصال والإعلام والتقنية..

وكان للإيمان أن ينتصر، وكان للفأل أن يثمر، وكان لبناة الحضارة، وأصحاب الحق، ودعاة الخير والسلام أن ينتصروا، بدءاً من انتشار الوعي بالحق والقضية بل القضايا، والثبات على مواقف الرفض للهيمنة والاستغلال والاستعمار بأشكاله القديمة والجديدة، والثبات على مبدأ المقاومة المشروعة الفاعلة، إلى انتشار الإبداع الكاسر لاحتكار الواجهات، إلى نشوء وعي وضمير عالمي جديد خاصة بعد الحروب القذرة الأخيرة وافتضاح خلفيتها وأرضيتها بفعل العناد والجهاد، وإدراك البعيد قبل القريب لسيل الأكاذيب الذي تسوقه دول الجريمة المنظمة التي تعتبر نفسها خارج القانون وفوقه كلما أرادت احتلال أو تقويض أسس هذا البلد أو ذاك.

وإذا كان من المهم جداً أن تكون لنا كلمتنا الطيبة الثابتة الهادفة الصادقة المحاربة الشجاعة، لأن الكلمة كالرصاصة بالفعل، ولأن للكلمة والإعلام الواعي الهادف والاستراتيجي، دوره الأساس في التعبئة والتحفيز، ورفع روح الشعوب، والتوعية بما يهدد كيان الأوطان والأمم، فإنه من المهم من الناحية الأخرى أيضاً أن ننتج في كافة علوم المعرفة والثقافة، وأن نكتب للإنسان مكرسين الجمال والحب، هازمين العدو في محاولاته الدءوبة لنفينا، وعزلنا عن هويتنا ولغتنا وقيمنا ومثلنا وأوطاننا، وتجريدنا من صفاتنا النبيلة الجميلة، وأن نكشف للعالم عن منابع جمالنا الصافية، وعن أنهارنا التي جسدت هذه العبقرية العربية لغة وشعراً وبياناً، لوناً وضوءاً، وشجراً عالياً في حقول المعرفة والعلوم والفنون.

إذاً على المبدع أن لا ينسلخ من قضاياه، وما يهم وطنه وأمته وأهله بحجج التحديث الواهية، وأن لا يقع في براثن الجسد، تأوهاته وتأويلاته، كما هي حال الانحدار الذي وصلنا إليه اليوم في كثير مما نقرأ، كما أن عليه في نفس الوقت أن لا يكون بوقاً نشازاً، وعازفاً جامداً، وتكراراً ممجوجاً يردد الصراخ القديم، معتقداً أنه يقوم بدور فعال في هزيمة الأعداء.. متناسياً دوره في الإبداع والتجديد، ورسالته في بث الجمال والحق والخير والحب والسلام، السلام العادل لا السلام الجبان المجحف المفروض بالقوة، الموقع بحبر الخنوع.

إنها معادلة صعبة تحتاج للمعرفة والموهبة، ولعين ثاقبة، ولشعور عميق بما يدور في هذا العالم المسعور، كما تحتاج بالضرورة لشعور أعظم بالوطن والأهل والأمة، بالآلام والآمال، ومن قبل بالحب الخالص للحضارة العربية الإسلامية والهوية واللغة:

 

يقولُ ليَ الرّازقيّ بأنّ الكتابَ كتابُ العربْ.
وأنّ الخطابَ خطابُ العرَبْ.
وأنَّ الكتابةَ بالدّمِ لا بالسّوادِ الذليل.
وأنْ لا ظهيرةَ لا عصرَ إلاّ بأفياءِ دجلتهم والنخيلْ.
ولا يطلعُ الفجر مثّاقلاً بالندى والبنفسجِ
إلاّ إذا غنّت الأرضُ أشعارَهم
من عيون الرصافةِ والجسرِ حتى كرومِ الجليلْ.
ولا تستعيد اللغاتُ مهابتها, والكواكبُ درّيّها, والجبالُ غرابيَبها, والجيادُ الصهيلَ لتبهجَ
إلاّ إذا اشتعلَ الليلُ في حدقاتِ النواجلِ
أو لمعتْ في الجباهِ الشّموسُ شموسُ العرَبْ.*

_________________________________________

*
للشاعر كاتب المقال
.