الأحد 22 يوليو 2018

هل كان لزاماً علينا أن نكون هكذا، وأنْ نعيشَ هكذا ساعين ما بين سفوح الخديعة والسراب، وقمم الحزن والضياع والجنون؟!

هل كان لزاماً علينا أن نختار تلك الطرق الوعرة، وهذه الممرات العالية التي تحبس الأنفاس، هذه القيم والمثل التي نتعالى بها، ويجرّمنا الآخرون من الباعة على التشبث بها؟!

 

هل كان لزاماً علينا أن ننحاز لقضايانا، ونحترق من أجلها، وتـُقصف أعمارنا في سبيلها، تنفطر قلوبنا، وتتسع جراحنا باتساع الأوطان، ولا أوطان في الأوطان؟!

من المغرب للمشرق كان حبنا وهمنا وشعرنا ونزف أقلامنا.. ومن المشرق إلى المغرب كانت أحلامنا تذوي، وآلامنا تدوي بصرخات الأسى واستغاثات الموتى.

وها قد كبرنا وما ظلّ فينا متسعٌ لانكسارٍ آخر، وخيبةٍ أخرى، وصرخة أخرى.

ولا ظلّ في مدافن القلب مكانٌ لشهيدٍ آخر، لطفلةٍ صريعةٍ أخرى..

ما ظلّ في العين مكان لانتكاسةِ علمٍ آخر، ولا في القلب وجيبٌ لسقوط عاصمة أخرى، ولا في الروح روحٌ لاحتمال انهيارٍ آخر.

ها قد كبرنا واكتسَحَـنا الشيب فيما الدبابات تكتسح حقول معرفتنا وآمالنا، حقول فتوّتنا وعزتنا، حقول كرامتنا وأوطاننا.

ماذا أخذنا من العمر إذاً غير أزيز الطائرات، وهدير المدافع، واحتراق الجثث والأوطان؟!

منذ نعومة أفكارنا ونحن نسعى من حربٍ إلى حرب، ومن دمارٍ إلى دمار، ومن خيبةٍ إلى ارتكاس، ومن خديعة إلى انتكاس.

أو كلما جمعنا أشلاءنا، وعقدنا آمالنا، وجمعنا طاقة الجسد والذهن انهدّ جدارنا بفعلنا قبل فعل غيرنا؟!

يا لهذا الدمار الهائل، ويا لهؤلاء البشر المدمّرين؟!

واليوم، وقد كبرنا، أصبحنا نخاف حتى من الحلم، نخاف أن نحلم حتى لا يتهدّم جدارنا، ولا تسقط مدن، ولا يموت أهلنا، ولا تباع أوطاننا، ولا تشترى ذممنا وعيوننا.

أصبحنا نخاف حتى من أنْ نسميَ مدننا، وأحبابنا ومثـُلنا حتى لا تنقضّ عليها يدُ الأذى من إنسان هذا العصر وآلته، اقتصاده وخرابه..

من يدِ ساسة ما خلف البحار المظلمة الذين يحيكون خطط دمار البشر، والبيئة، والمجتمعات، إلا سنوات انتخابهم القصيرة التي يحرسونها بالمدمرات والطائرات والجيوش المجيّشة.

يا لهذا الدمار الهائل، ويا لهؤلاء البشر المدمِّرين!!

هؤلاء الذين استخلفهم الله في الأرض، فعاثوا فيها فساداً، وسعوا بكل ما امتلكوا لتدمير بيئتها: ترابها، مائها، وهوائها، وتخريب مجتمعاتها، ودكِّ كل حضارةٍ لا تتواءم مع مقاييس الخراب الذي ابتدعوه ورعوه من مكاتبهم الخلفية المحصنة..

وعندما لم تعد عقولهم وآلاتهم الجهنمية تكتفي بدماء مئات الآلاف، بل الملايين، من بني الإنسان بالقتل الخفي, والحصار, والتلاعب الاقتصادي، ولا بنوكهم تكتفي من عوائد الاقتصاد الحر والسرقة والرشوة والابتزاز والسلاح..  أشعلوا الحروب الطاحنة، وبرّروا الإبادات الجماعية، والسجون الجماعية للقرى والمدن، والحصار إثر الحصار، والمقاطعات للدول بحيث لا يمر العام إلا على جثث مئات الألوف من البشر.

أولم تقل مادلين أولبرايت إن مقتل مليون طفلٍ أمرٌ عادي في سبيل تحقيق أهداف أنبل، أو هكذا قالت وزيرة خارجية السم في العسل والقبح؟!

مقتل مليون إنسان إذاً مسألة لا بد منها لكي يرضى السياسي, والتاجر، والفاجرُ، وصانع السلاحِ الغربيّ الأبيض المتحضر، وإسرائيل من قبل.

لقد كبرنا إذاً وغطى الحزن مراحل من عمرنا، وهرم العالمُ معنا، وتكشّفت للناس، وإنْ متأخراً، خديعة الديمقراطية الغربية الكاذبة، وزيف بريقها.

وتعرّى الوجه البشع لحضارة القتل والدماء.

هل كان لزاماً علينا إذاً أن نكون مع الإيمان ضد الكفر؟!

ومع الخير ضدّ الشر؟!

ومع الحب ضد الكراهية والحقد والسواد؟

ومع العدالة ضدّ الظلم؟!

ومع النور ضدّ الظلمة؟!

ومع الجمال ضد القبح؟!

ومع الهوية ضدّ التمييع والانحلال؟!

ومع الحرية والنضال ضد العدوان والاحتلال؟!

ومع اللغة المبينةِ ضدّ سقطِ الكلام، والهلام؟!

الجواب وببساطةٍ.. نعم             

لأننا وما أجملنا، نحن أصحاب الحق، والهوية المعاندة، كلما سقط لنا شهيدٌ، أو قاوم مقاومٌ، زال ضعفنا، والتأم جرحنا، واستوى عودنا، وازداد عنادنا.

ولو أعطينا من العمر مثله لأعدنا استلهام صبرنا وجودنا وجيادنا وعنادنا، في سبيل الحق والخير والحب والعدالة والجمال، ولوقفنا وقفة واحدة ضدّ شياطين الحروب ولو أضعنا أعمارنا، حتى يكون لنا ولها ولأحبابنا بيننا، ومن بعدنا، معنىً ومبنىً وحضارةٌ وجمالٌ وجلال.