الأربعاء 19 سبتمبر 2018
لا أتذكّر عدد الشعراء والمبدعين السعوديين والعرب في كافة المجالات الذين كتبت عنهم هنا، في هذه الأعراف العالية كأشجارهم، لكنهم بكل تأكيد عشرات من مختلف المشارب والمدارس والأجيال.
وكنت أتمنى أن يفعل ذلك أيضاً من يشغلون أوقاتهم بإلغاء تجارب الأجيال السابقة، علّهم يكتشفون جمال النهل والعَلل، بدلاً من قذف الحجارة على ينابيع الماضي، وأشجار الحاضر الذي لا يريدون استيعابه، ظنّاً منهم أنهم يسُوقون المستقبل، ويسابقون « أيائله ووعوله « - لكثرة اتكائهم على الأيائل والوعول في « نصوصهم «!! - ولا مشكلة لدي مع الأيائل ولا الوعول، لكنني خمّنت أنهم يؤثرونها على الخيول والجياد التي قد تثير اعتزازاً بالموروث، أو اعتداداً بالفتوح، والحروب العادلة، بينما على « نصوصهم « أن تكون مسالمةً تتضامن مع الإنسانية المسوقة سياسياً عبر العولمة، لا الإنسانية الحقيقية البريئة من الدماء، الدماء التي تلطخ أيدي الملايين من جند الحضارات التي قتلت أهلهم، واغتصبت وأحرقت أرضهم في أبشع صور مرت على تاريخ البشرية.. سبقها الفكر العنصري لآلافٍ من المخططين لها.. حيث ينبغي للشعر لديهم أن يكون رسالة حب وسلام، سواء عبر عالميته المدعاة عندهم خطأ بتجاوز المحلية والخصوصيّة، أو عبر التعامي عن قضايا الإنسان العربي، وعدم الخوض في المضامين التي تهمه، لأنها معقدة وسقيمة وتبعث على البؤس والإحباط.. وهو يخرج من حرب ليدخل في أخرى، كأنه هو الذي اختار الحروب، ولم تفرض عليه فرضاً.. بل علينا حسب رأيهم أن نرضخ بالقول: لا مؤامرات تحاك، لأننا سنقع في شرك نظرية المؤامرة التي يسُوقها بعضهم مع الوعول والأيائل!!

والحقيقة أننا لن نطلب منهم أن يكتبوا عن قضايا أوطانهم لأنّ ذلك أفضل لها لكي لا تبهت، لكننا نتمنى أن يشعروا في مؤخرة رؤوسهم، إن صعب ذلك على قلوبهم، بأهلهم وبضحايا المجازر البشعة التي ترتكبها دولٌ بعينها عبر الحروب العسكرية والاقتصادية والثقافية ضد أوطانهم، بينما تسوّق للإنسانية والحرية التي يطرب لها أصحابنا كدعاية وبضاعة كاسدة يميزها العامة ولا يفعل ذلك أصحاب التنظير.

وهذا يذكرني ب « شاعر « عربي فلاح، يسكن الآن إحدى دول أوروبا الشرقية، أم هي السويد؟! فكان هذا الذي يعبر على الورق وعبر المنتديات، غير الذي التقيته في وطنه الأم.. لأنه أصبح أوروبياً، تهمه أناقة نسائها، ويحرص على موسيقاها، ولا أرى في ذلك خللاً، ولا في ثقافات الشعوب خللاً، لكنه كان يتحدث بلا تاريخ ولا هوية ولا قضية، وفي ذلك كل الخلل. لقد تبرأ من كل شيء إلا من دفاعه المستميت عن الأكراد وجيرانهم، وربما لا يكون في ذلك خللٌ، ولكن ليس على حساب، أهله الأقربين المهجرين الذين يسكنون الخيام، وينتظرون عون الأمم المتحدة.

ليس هذا هو المهم هنا، فلكل مغتربٍ دوافعه وهواه، فقد بدأت راغباً الكتابة عن جمال المخزون الشعري والثقافي العربي، الذي يتفه مجمله هؤلاء، منذ أول قصيدة تنفستها الصحراء، مروراً بتجارب لا حصر لها عبر العصور، وصولاً إلى قمم شعرية عرفها عصرنا الحديث من كافة البلدان العربية، وأخرى نعرفها ونحبها، رغم أنها آثرت الظل.

وقد خرجت هذه القامات الشعرية في ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية صعبة، وحالة دائمة من عدم الاستقرار الذي سبق التحرر من الاستعمار، الذي طردناه من الباب ليعود من النافذة الخلفية التي فتحها له الخونة كارهو هذه الأمة، ومنها من واكب تلك المرحلة الذهبية من تاريخ الأمة ثم عايش انتكاستها، وحروبها، لكن معظمهم لم يكفر بقديم الأمة، ولا بجديدها، بل ظل عدد كبير منهم يحفر معرفياً، ويرفد الثقافة والشعر العربي بكم هائل من الدراسات والبحوث والترجمات إضافة إلى إبداعه الخاص. وكانت الأهداف واضحة جميلة نبيلة يملأ بياضها شعور بالاعتزاز، وزهو باللغة والحضارة.

وحتى تلك القصائد التي كانت تنتقد الواقع بشكل أو آخر إلا أنها كانت نابعة من افتتان بما تحمله هذه الحضارة، وهذه اللغة، وهذا الشعر، وبما يمكن أن تصل إليه..

كانت أحلاماً بالجنة، وكانت ملاحم شعرية وثقافية ظلت خالدة، وكتب لها البقاء لتضيف - دون أن تنفي - للرصيد الإبداعي العربي المضيء شواهد قلّ مثيلها في التاريخ الإنساني وهذا ما سنتناوله لاحقاً.

ولو أخذنا الشعر الفلسطيني وحده كمثال هنا، والثقافة العربية التي دونها فلسطينيون، في أحلك الظروف، وعبر السجون، والقمع، والاحتلال، والغربة القسرية، لعجبنا كيف تشبثوا بجذورهم، وقضيتهم، وهويتهم، ولغتهم العربية المبينة، أمام أشرس عدو طامس للهوية، وأمام من يدججونه ويؤهلونه، وعلى رأسهم أمريكا، وأوروبا التي يرعى فيها جيل من الواهمين أيائل ووعول الوهم .

نقول هذا ونحن نتحسر، حين نرى المستسلمين، المتنكرين لهويتهم ولغتهم، دون أن تمسهم الحروب أو ويلاتها، وذلك عبر لعن الماضي، أو عبر تدوين ما يرونه المستقبل بنصوص الفراغ والتيه، والرغبة والهلام.. تلك النصوص التي لا تستسيغها الرغبة ولا يهضمها الهلام!!