الأربعاء 19 سبتمبر 2018
أمّا أنا
فخذوني بطيبة قلبي
فالمحبَّة طيبةُ القلب
وزمان المحبين جدّ قصير»
مسكينٌ هو الشاعرُ الذي يريدُ منه الناسُ: أن يكون فقيراً وهم يغتنون ليتغنوا بالفقر.
ومناضلاً لكي يتغنّوا بالبطولات.
وسجيناً لكي يلوّنوا الأحاديث.
ومريضاً لكي يجدوا للورد منزلاً.
وميتاً لكي يقولوا «لقد كان منّا وكان لنا»، ميتاً لكي يتذكروه.
***
يُحاكم الشاعر العربي من رجل الشارع لأنّه لم يغنّ أغنيته المفضّلة، ولم يمسح عرقه، ولم ينزل إلى مستوى لغته وخياله.
ويُحاكم من الناقد لأنّه نزل إلى الشارع ولم يصعد إلى علياء النخب، وأبراجها.
ويحاكم من رجل الأمن لأنّه لم يقطع الإشارة.
ويحاكم من السلطات لأنّه لم يكن طيّعاً.
ويحاكم من الحبيبة لأنه لم يرو عطش عينيها، ومسامعها.
ويحاكم من القبيلة لأنّه لم يمجّد سلالاتها النادرة.
ويحاكم من صاحب العقار والبقّال والهاتف والكهرباء والحياة، كلّ الحياة، لأنّه لم يدفع فواتيره المكدّسة.
ويحاكمُ من التياراتِ لأنه لم يمشِ على أهوائها، وتقلّباتها.
ويحاكمُ من الصحفيّ والمذيع والمطبوعة لأنه لم يضعْ أسئلةً، ويجب عليها، ويُحضرْها، ويقدّمها ويخرجها...
ثم يحاسبْ إن طلبَ أجراً على تعب الكلام.
****
ومسكينٌ هو الشاعرُ الذي يريدُ منه الناس
أن يُقاتل عنهم،
وأن يتغزّل عنهم،
وأن يقف في أول الطابور عنهم.
****
هذا الشاعر المسكين لا يسلمُ من شيّ
فهو إن أحبّ وطنه قالوا: سلطويّ، وإن بثّ نور إيمانه قالوا: إسلامويّ،
وإن انحاز للفقراء وخبزهم: قالوا شيوعيّ، وإنْ تغنّى بعروبته قالوا: قوميّ بعثيّ،
وإن التزم الصمت قالوا: انهزاميّ.
****
هذا المسكين الشاعر إنْ أتعب نفسه قالوا:
مالنا نراك في كل حيّ؟!
وإن توقف للراحة قالوا: انتهى.
وإن عاد قالوا: لم يأت بجديد.
وإن سقط عن الجواد صاحوا: سلم الجواد؟!
****
هذا المسكينُ متّهمٌ إن اغتنى
وملعونٌ إن خالط الفقرُ عشاءه الأخير!!