الخميس 13 ديسمبر 2018

 

 

 

الضّادُ: لسانُ العرب (1)

تتناغمُ أحرف السين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء في سورة الزخرف بشكلٍ إعجازي ملفت، والقرآن كله إعجاز، وهو في واحد من جوانب عظمته التي لا تحصى، زاد المفكر المتأمل والمثقف والأديب، ومنهل اللغة الأول، وهو إضافة إلى كونه حافظاً للغة الضاد، اللغة العربية المتينة المبينة ووعاءً لها، فإنه معين لا ينضب لاستمراريتها، عبر القراءة الفاحصة المتجددة لدى علماء اللغة والمشتغلين بها، كما هي الحقول التي تظل تنبت وتثمر عبر الزمن، ولن نذهب بعيداً ففي آيتها الثالثة يقول تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، والعالمُ اليوم، حتى بعض من يعيشون بيننا، يستكثرون ذلك علينا، ويريدون محو هذه اللغة العظيمة

وتشويهها ومحونا معها، وهم واهمون ضالون.

ومن العقل أن نتأملَ لغة القرآن التي هي لغتنا، وسيتضحُ ما نرمي إليه أشد الوضوح عبر ترابط هذا النسج في هذه الأمثلة من الآيات الكريمة:

(أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10)).

(أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18)).

(وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ( 33)).

وكنتُ في وقت مضى، ممن يعرّفون بعض وكل كما يفعل الناس اليوم، ولا وجود لذلك في القرآن.

(وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37)).

(وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ(60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)).

وفي سورة يس نجد ذلك في هذه الآيات: (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80)).

ونجد التقارب بين هذه الحروف، وكأنها عائلة، بشكل متكرر ملحوظ في كل القرآن الكريم: (ولو نشاءُ لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيّاً ولا يرجعون) 67 يس.

ويحضر هذا النسيج عند المتنبي في وصف مرضه بالحمى:

بَذَلْتُ لَهَا المَطَارِفَ وَالحَشَايَا

فَعَافَتْهَا وَبَاتَتْ في عِظَامي

يَضِيقُ الجِلْدُ عن نَفَسِي وَعَنْهَا

فَتُوسِعُهُ بأَنْوَاعِ السِّقَامِ

ونحن نخرج من ضفّةِ التأمل في هذا الترابط الشجري الفريد بين هذه الحروف، بجمال نظم اللغة العربية، ونظامها، في شكلها ومضمونها، وجمال الضاد وهي تلمع وتضيء بينهنّ شكلاً ونطقاً، و»الضاد حرف من الحروف المجهورة، وهي تسعة عشر حرفاً، والجيم والشين والضاد في حيّز واحد، وهذه الحروف الثلاثة هي الحروف الشجرية» كما يعرفه لسان العرب. وإذا كان الضوء سر الحياة، فالضاد ضوء العرب، وسرٌّ متقدمٌ من أسرار حضارتهم، وجمال وسحر بيانهم. ..يقولُ شوقي:

إن الذي ملأ اللغات محاسناً

جعلَ الجمالَ وسرّهُ في الضّادِ.

مع ذلك لا يفرق كثيرٌ من أهل الضاد اليوم في النطق بين الضاد والظاء، فيقعون في أخطاء كبيرة، مع أن هنالك فرقٌ شاسع، بل اختلاف كلي بين الضّنّ والظن، والضّالين والظالين، والحضّ والحظ، وغير ذلك كثير.

والضاد في العاديات (والعاديات ضبحاً)، وفي الضحى، ووالله ما قرأتها إلا ورقّتْ روحي، وانتفضتْ كعصفور بلله القطر، وأورقت بالإيمان والخير، وأشرقت بالنور، (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8)) وشعرت بها تهزني، وكأنها تصف حياتي، وتسعد حالي وبالي (ولسوفَ يعطيكَ ربُّك فترضى).